afaq 41

اخترنا لكم

اخترنا لكم عوا تفاني الطبيب َّ لا تتوق تحت هذه الظروف

ً تحمست للكتابة في هذا الموضوع بعد أن علمت مؤخرا أن وزارة الصحة أوقفت بدل السكن الذي كانت تدفعه للطبيب المكلف بالعمل خارج منطقة إقامته، وكأنها لا تراعي ظروف مغادرته منزله وأهله واســتئجار منزل في مقر عمله الجديد، لتقوم بقطع بدل الســكن الذي ً هو من حقوقه. صرف بدل الســكن النقدي يعتب حقا لمن يكلف من الأطبــاء والطبيبات في مناطق ً مســتمرا ً بعيدة عن مقر الإقامة حتى لو وفرت الوزارة لهم سكنا في منطقة التكليف، باعتبار أن التكليف بحد ذاته معاناة شخصية وعائلية بما فيه الكفاية. عندمــا انفجر الوبــاء الفيروسي كورونــا فجأة قبل بضعة أعوام كان ضمن المصابين به في البداية عدد من الأطباء، مما أدى إلى الإغلاق المؤقت لبعض المستشفيات الحكوميــة. قبل ذلــك حدث نفس الــ ء مع أوبئة فيروســية ســابقة، لأن الطبيب يباشر الفحص على المراجع قبل أن يتعرف عــ نوع الإصابة الماثلة أمامه في أقســام الطوارئ والعيــادات الخارجية. ً وخصوصا مهنة الطبيب تشبه إلى حد كبير مهنة العسكري المرابط على الجبهــة في التعرض للأخطار المعيقــة أو المميتة، على الجبهة الصحية ً ما عدا أن الطبيب يكــون مرابطا طيلة أيام السنة باستثناء الإجازة. لن أتعرض لظروف العسكري المادية مقابل الأخطار الجسيمة المعرض لها، لأن ذلك ليس من اختصــاصيوله من يخوض فيه عن خبة ميدانية. أريد أن أتعرضلأحوال الطبيب السعودي كمرابط عــ الجبهة الصحية وأبدأ بهــذه الحقائق: يتعرض الطبيب مهما حاول التحوط الوقائي لأخطار العــدوى كل يوم، ويعمــل في أجواء ملوثــة بإفرازات المراجعــ والمنومين من كل المخــارج الطبيعية ومن مع إحباطات ً الجــروح والإصابات ويتعايش نفســيا المصابين بالأمراض الخبيثــة والمزمنة التي لم يعثر لها الطب بعد على العلاج الشــافي، وكذلــك مع انفجارات نفسية عنيفة هنا وهناك من بعض المراجعين وأقاربهم إلى محاولة قتــل الطبيب أو الضرب ً قد تصل أحيانــا

الدكتور / جاسر الحربش

من جمادى الآخرة 8 صحيفة الجزيرة - الأربعاء 16939 م العدد 2019 ) فباير (شباط 13 هـ 1440

المبح. بالإضافــة إلى ذلك مطلوب من الطبيب مناوبات ليليــة دون تعويض مادي وأن يتحــ بأعلى درجات الصب والإنسانية تحت كل الظروف. أقول لا بــأس فتلك مهنة الطبيب التــي اختارها منذ التحاقــه بكلية الطب، ولكن ماذا عــن التقدير المادي والمعنوي الذي يســتحقه مقابل الأخطــار والمرابطة ً الميدانية الصحية على مــدار العام ؟ عندما كنت طبيبا تحــت التدريب للتخصــصفي ألمانيا كنت أســتلم من أعلىمن مرتب الموظففي البنك والشركة ً المستشفى راتبا عندهم كحق طبيعي لي كطبيب. بعد عودتي إلى الوطن والعمل في القطاع الصحي الحكومي بدأت أشعر بالغبن مقارنة بموظف البنوك والشركات الكبى، حيث تكون مرتباتهم أضعاف مكافــأة الطبيب مع العمل في أجواء مكيفة لا فيروسات فيها ولا بكتيريا ولا معاناة نفسية من المصابين بالأمراض الخبيثة والأعضاء المبتورة. مع ازدياد الشعور بالغبن غادرت العمل الحكومي وأنشأت ، وما ً عيادتي الخاصة وتحســنت أحوالي العائلية كثيرا زلت أرثي لأحوال زملائي في القطاع الصحي الحكومي. ما هو الوضع الحالي للطبيب السعودي في القطاعين ً إذا

أكب. ً الطبية الخاصة دخلا باختصــار: في القطــاع الحكومي يتعــرض الطبيب الســعودي لغبن مادي وضغط عائلي ومعيشي خانق، مما يدفع بــه للإحباط وما يترتب عــ الإحباط من سلبيات الممارســة. في القطاع الخاصيتعرض الطبيب العامل بعقد عمل لإفســاد الذمة بالإغــراء المالي الذي مع ما يحققه للمستشفى من دخل. ً يتناســب طرديا تصل الأمور إلى درجــة أن بعض الأطباء يكتب ً أحيانــا طلبات الفحوص المخبية والإشعاعية والمنظارية دون على المريض لتوفير الوقت، وذلك ما ً أن يفحصسريريا يؤكده لي كثيرون من المراجعين القادمين من مؤسسات طبية خاصة. على المواطن في مثل هذه الظروف ألا يتوقع من الأطباء ً إذا التفاني في الأداء، لا في الجوانب الإنسانية ولا المهنية، لأن العمل في هذه الحالة من جنس الجزاء، ويصبح الجزاء من جنــس العمل بعد حصول الطبيب على حقوقه مثل زملائه في الدول الغنية الأخرى

الحكومــي والخاص؟. في القطــاع الحكومي يتعرض الطبيب للأخطــار اليومية المذكورة أعــ ه والمناوبات لا يقاس ولو عن ً الليلية دون مقابل ويســتلم مرتبــا بعد بما يســتلمه زميله في القطــاع الطبي الخاص أو الموظف في البنك والشركة الكبيرة، ولذلك يشعر بالغبن. على المواطن ألا يســتغرب إذا لاحظ درجات متدنية من الإخلاص للمهنة الطبية بســبب الإحباط والشــعور بالتعاسة. البيروقراطية الســعودية في الخدمة المدنية بين المهنة ً ومــنضمنها المهن الصحية لا تفــرق كثيرا الصحية ومهنة الموظف في إحدى الدوائر الحكومية. ثم ماذا عن الطبيب الذي يعمــل بعقد عمل في القطاع الخــاص ؟. هنا تكمن داهية مــن دواهي التناقضات الإنســانية في المهنــة الطبية، حيث يســابق الطبيب الزمــن للحصول على أفضل نســبة مالية من تكاليف الفحوصات التي يفرضها على المريض أوشركة التأمين. أكثر المستشفيات الخاصة تعمل بهذه الطريقة، الطبيب يحصل على مردود شــهري أكب كلما حقق للمؤسسة

25

24

41 - العدد 2019 نوفمبر

41 - العدد 2019 نوفمبر

Made with FlippingBook - Online Brochure Maker