مجلة تُراث عدد 280 - فبراير2023

وكتب بتوقيع مؤلفيها توفاهم الله وغيرها، وأظن أنها تتوافرعلى ألف كتاب. ومن أهميتها أنه تم شراؤها بالخزائن 25 أكثر من الخاصة التي كانت تحفظ بها. وبسيم الحصني المصري هوفي الأصل من مدينة حمص السورية كان رحل إلى مصر واستوطن هناك، وللمكتبات مع أصحابها قصص ومواقف، وطرائف وأشجان تستحق أن تروى، ولهذه المكتبة قصة مازلت أرويها في مناسبات عديدة فعندما اشترى جمعة الماجد المكتبة مع خزائنها الخشبية الجميلة ذات الطراز القديم والأبواب الزجاجية الطويلة بإطارات خشبية مزخرفة فوجئ في اليوم الثاني باعتذار زوجة بسيم الحصني عن بيع المكتبة ومما سمعت أنها قالت إن زوجها المتوفى قد ترك لها هذه المكتبة وهي في كل يوم تذهب إليها تخرج الكتب التي كانت قيد القراءة وترى تدويناته عليها وتعليقاته على متنها فتشعربأن روحه تطوف معها، وبخاصة أنها شاركت معه منذ زواجهما في تأسيسها ونمت كما الأطفال معهما وقضيا فيها جل عمرهما، وظن السيد جمعة الماجد أنها ربما تنوي زيادة السعر فقدم لها شيكا مفتوحا لتسجيل الرقم الذي تريده لكنها أخبرته أن دافعها ليس المال وإنما حالة الفقد التي ستعيشها بعد أن ترحل المكتبة من البيت وستفقد عزاءها الذي كان يخفف عليها وفاة رفيق عمرها، وأنها لن تتراجع عن البيع وستوطصي الورثة بتنفيذ وصيتها ببيع المكتبة لتكون محفوظة ومتاحة لطلبة العلم في مركزثقافي كبير كمركزجمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، غير أن السيد جمعة الماجد قدم لها فكرة بأنه مستعد في كل سنة يوما وستكون في ضيافة المركز 15 بدعوتها لتقيم في دبي لمدة حيث سيتاح لها أن تزورمكتبة زوجها الراحل. وباعتباري رئيسا للقسم الثقافي والإعلامي في المركزفقد رافقتها رحمها الله في كل زياراتها للمكتبة حيث كانت تفتح الخزائن وتخرج الكتب وتقلب

صفحاتها لتجد تعليق زوجها على الكتاب بخط يده فتأنس روحها بينما تحاول استدراك دمعة تغادرسواد العين لتمسحها بطرف إصبعها.. سمعت منها الكثير من القصص عن علاقة بسيم الحصني بالكتب وبعض الطرائف الجميلة التي يمكن أن تروى ولا مجال لها هنا. أردت من سرد هذه الواقعة أن كثيرا من أصحاب المكتبات الخاصة التي أهدوها للمركز والذين هم على قيد الحياة كثيرا ما يزورون مكتباتهم الخاصة في المركزويقضون معها وقتا في تفقد بعض الكتب أو استعارة بعض الكتب لإعادة قراءتها، وهناك بعض الورثة الذين بين الفينة والأخرى يتناوبون على زيارة هذه المكتبات الكتب أرواح لم توضع كي نؤمن بها، وإنما وضعت كي نتحرى فيها. وهي خيرجليس في الأنام كما قال شاعرنا المتنبي. هذه المكتبات الشخصية التي تزينت بها مكتبة جمعة الماجد كنوز لا تقدر بثمن، أو ذخائر تعين الباحثين على المعرفة.. إنها المكتبات العامرة التي خلفها كبار الأدباء والمثقفين والمفكرين من الأجداد، الذين قضوا حياتهم في تجميعها من شتى الأرجاء.. أهمية هذه المكتبات أن كل متخصص أومهتم بشأن معين يجمع في مكتبته الموضوعات والعناوين الداخلة ضمن إطارتخصصه، مضيفا إليها موضوعات إثرائية في مجالات عامة. ألم تحرق مكتبة دارالحكمة التي فاق عدد كتبها ثلاثة ملايين كتاب على أيدي الصليبيين؟ ألم تتعرض مكتباتنا الخاصة والعامة إلى النهب إبان فترة الحروب الصليبية وفيها من المخطوطات والكتب العربية النادرة والنفيسة التي صارت اليوم فوق أي قدرة على إحصائها في المكتبات الأوروبية الكبرى. ‏الكتب أرواح مؤلفيها، وأرواح جامعيها وفي هذا الصرح الثقافي الكبيرترقد أرواح الذين أوقدوا الشموع للبشرية من ظلام الجهل وفيه الذين سطروا للإنسانية سطورا من ضياء لا يخبونورها * أكاديمي وباحث في التراث

41 2023 فبراير 280 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online