Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

أسرار الأهرام

الهرم المهيب لحضارة المايا، كينيتش كاك مو، في إيزامال

هرم أثري في قرية إلينيكوفي اليونان

المثلثات في الطبيعة يتجلى المثلث في أبسط الأشكال في الطبيعة، في الصخور والبراكين والبلورات والقمم الجبلية المنفردة، خاصة في الرسوم البدائية والمنظور البشري الأول الذي يجسد الجبل كرمز للارتفاع المقدس نحو السماء. كما يتجلى المثلث في أوراق النبات كالبرسيم والتين والزهور التي تنفتح بثلاث بتلات مثل زهرة الزنبق. كما نجد المثلث في رأس السمكة، ومنقار الطير، والأجنحة التثليثية للفراشات. كلها مثلثات مفتوحة القاعدة على تضمين الجسد الكلي والارتكاز والتوازن. تتعدد مواطن المثلث في الطبيعة ولو بشكل ضمني، فإذا أمعنا التأمل في البحر ستبرز الموجة المرتفعة برأسها المثلث، وأما أصداف المحار فهي عبارة عن جسدين مثلثين ملتحمين في كيان بحري م ُُصغرلصورة كون من الأكوان المتعددة، الصدفة العلوية هي قبة السماوات، والسفلية هي مياه الكوكب. وإذا ما أشعلنا النار اتخذت شعلة النار شكل مثلث برأس صاعد نحو السماء. وإذا ما قسنا نبضات القلب برزت المثلثات صعودا وهبوطاًً.

قنوات متعددة تؤدي إلى البحر (البيئة المائية) المرتبطة مع المسارات الروحية أو مع عالم روحي آخر. فهل اقتبس الفراعنة بناء الهرم من مثلث الدلتا واللوتس، أم إنه إيحاء علوي لتشييد مبنى متوازن يمك ّّن البشر من الاتصال بطاقات الأبعاد الكبرى في الكون؟ إن طرح التساؤل حول مبدأ استلهام الشكل الهرمي في المعابد يقودنا إلى مسارات منفتحة على تأويلات متعددة، لكن بلا شك أن هناك ب ُُعدا آخرللإجابة على هذا التساؤل، وهذا الب ُُعد يكون بُُعدا خارجا عن حدود العقل البشري في طرح الأجوبة وإعمال المخيلة والتحليل، وبُُعدا كونيّّا قائما على أساس خلق التوازن الأثيري بين الأكوان التي تتسع خارج فرضية الأزمنة وحيز المدى والأمكنة أديبة وباحثة إماراتية المصادر والمراجع: . سيربح، فيليب، الرموز في الفن والأديان والحياة، ت: عبد الهادي عباس، 1 ، دار دمشق. (كتاب إلكتروني). 1992 ، 1 ط . إشارات.. رموز.. أساطير، لوك بنرا. (كتاب إلكتروني). 2 . (كتاب 2017 . توفيق، سعيد، تأويل الفن والدين، الدار المصرية - اللبنانية، 3 إلكتروني).

ي ُُقال بأن شكل المثلث يظهر في الفطرة البصرية للإنسان منذ طفولته الباحثة عن الأمان والاستقرار والحماية، فيتجلى ذلك في رسم الأشياء كالأشجار والجبال والكهوف وتشييد سقف الكوخ في الغابات. وفي المقابل هو شكل رمزي معقد المغزى، وهو الشكل الهندسي الأقرب إلى تجسيد التوازن في الطبيعة والاستقرار والاتجاه والتركيز والتكامل والهدف والقصد. الإشارات الروحية للمثلث في التعاليم الصوفية الإسلامية يرمز المثلث إلى التوازن والتكوين والكمال واتحاد الجسد والعقل والروح، كما يرمز إلى الأنفس الثلاث: الأمارة، اللوامة، المطمئنة. ويشيرالمثلث صوفيا إلى دائرة الإيجاد الإلهية، فأنت تحتاج إلى ثلاثة جوانب لتدرك الوجود: وعيك، ذاتك، والكون من حولك. وتبدو تنورة الدرويش في رقصه المولوي كمثلث هرمي صعودي نحو مدارات الرقص المُُقدّّس والاتحاد بالوجود والكيانات النورانية اللامرئية، وبذلك يلتحم الدرويش بالكون، يلتحم المثلث بالدائرة ليتخذ شكلا أحاديا محفوظا داخل الدائرة الأبدية الكبرى. يشير المثلث المتساوي الأضلاع في مختلف الأديان صعودا

كرأس الرمح أو رأس النار إلى ثلاثية الميلاد والحياة والموت، القوة والاختراق والإرادة والنية المركزة والانبعاث والتقدم. وفي الرموز الباطنية هو دليل الوعي المتجه نحو غاية روحية وفقا للمعرفة البدائية للكائن البشري، وإلى حالة انطلاق الإنسان كمراقب لتطوره الروحي ونمو قوته الخلاقة واتصاله بالأبعاد العليا. عند شعوب حضارة المايا يرمز المثلث الهرمي إلى عالم ثلاثي الطبقات، وإلى الوحدة بين ثلاثة عناصر كونية: السماء التي تمثل الروح، والأرض التي تمثل المادة، والعالم السفلي الميتافيزيقي وهو عالم الموت. أما الإغريق، فعندما قاموا بزيارة ضفاف مثلث مصب نهر النيل العظيم في مصر القديمة، أطلقوا عليه اسم «الدلتا» ذات الشكل المثلث. فكلمة الدلتا مشتقة من الحرف الرابع في الأبجدية اليونانية، وشكلها هو المثلث الذي يشير برأسه نحو الأعلى صعودا ًً. أما بالنسبة إلى المصريين القدماء، فقد كان هذا المصب الذي يتشك ّّل قبل الوصول إلى البحر تماما مثل النهر الذي يحافظ على الحياة نفسها، وتشاء قدرة الخالق وأسراره أن تأخذ الدلتا شكل المثلث في رأس زهرة اللوتس المقدسة على أرض مصر القديمة والتي هي رمز للمبدأ الأنثوي، ففي قاعدة الدلتا ثمة

101

100

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

المعابد الهرمية قنوات حياة بين الموت والميلاد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online