Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

حكمة المطر

من القطرة إلى السيل: دلالات المطر في المثل الشعبي الإماراتي

المثل الشعبي وفلسفة القطرة طالما توحي الأمثال الشعبية الإماراتية بدلالات بعيدة قريبة، منها الصبر والانتظار وعدم التفريط بالأشياء الصغيرة مهما كانت وأن الأمور العظيمة تتكون بفعل أشياء بسيطة، وهذا ما يوحي به المثل الشعبي القائل: (قطرة على قطرة يطول غدير) وقولهم أيضاًً: (قطرة، وقطرة تصير وادي)، وهذان المثلان يضربان، للدلالة على أن الخير الكثير يأتي من الشيء القليل وللتأكيد على البركة في القليل، وللحث على المثابرة وعدم استصغار الجهود القليلة، فلسفته تقوم على أن التراكم هو قانون الطبيعة؛ فكما أن الوادي السحيق أو الغديرالواسع يبدأ بقطرة واحدة، فإن النجاحات الكبرى تبدأ بخطوات صغيرة، : ) 2 ( ُُكما في قول أبي تمام الطائي ََــــــــــــــــــــر بََـــــــــــــــدْْؤُُه مُُطََيْْــــــــــــــــــــر كََـــــــــــــــم مََط رب قََليـــــــــــــــــــــــــل غـــــــــــــــدا كثيـــــــــــــ ار فيدرك البدوي أن الخير العميم لا يأتي طفرة واحدة، بل هو نتاج تجمّّع النعم الصغيرة التي يباركها الله بالاستمرار.

مروان محمد الفلاسي حفلت الأمثال الشعبية بالمطر ووظفتها في صور رمزية متعددة، ودلالات جميلة، منها توجيهات اجتماعية ومنها رصد لسلوكيات وتجارب حياتية عديدة، تختزل في معنى ذات حكمة باهرة، وتترجمه الذاكرة الشعبية بلغة الرمز والإشارة في دلالة موحية مفيدة، فغدا المطر في المثل الشعبي مرآة للإنسان، وتعايير وعيه، وتكشف عمق علاقته بهذه الظاهر الجميلة. وقد ذكرالعرب للمطرفي أمثالهم أشياء من عشقهم له، فهو مبعث الحياة والخصب وبه حصول معايشهم؛ من رعي وسقي وزرع؛ لذلك عرفوا خصائصه وأحواله واستدلوا على نزوله بالرياح وألوان السحب، وأنواع البرق وأصوات الرعد، ونمى لديهم علم كثير وغزير عنه، وقد ورد في كلامهم المنثور والمنظوم ما يشير إلى رسوخ هذا العلم، وعمق هذه . ) 1 ( المعرفة التي نتجت عن طول تجاربهم اليومية المستمرة

وفي السياق نفسه يقول المثل الشعبي: (أنا عاقولة ما استمن المطر): و«العاقول» نبات صحراوي صبور ينمو في أقسى الظروف ويمد جذوره عميقا بحثا عن الرطوبة. يُُضرب المثل للشخص العصامي الذي لا ينتظر«المعروف»من أحد ولا يعتمد على تقلبات الظروف، فلسفته تعكس عزة النفس الإماراتية؛ فالعاقولة لا تنتظر المطر الموسمي لتخضر، بل هي مكتفية ذاتياًً، دلالته تشير إلى الشخص الذي بنى نفسه بنفسه، فلا يكسره جفاف العطاء من الآخرين ولا يغريه كرمهم المفاجئ. وفي معنى التقليل وعدم الاهتمام بالشي نظار لقلته، يقول المثل: (مطر ما يبلّّك ما يهم ّّك)، ومضربه في الدعوة للاهتمام بما يعود على المرء بالنفع والفائدة، وهو يدل على الواقعية والتركيز على ما ينفع الإنسان مباشرة، فلسفته تنبع من البراغماتية الشعبية؛ فالمطر الذي لا يصل أثره إليك ولا يروي أرضك يجب ألا يشغل بالك أو يستنزف مشاعرك، هو لا يعني المطروإنما دلالته تدعو إلى عدم التدخل في شؤون الآخرين أو القلق من أحداث بعيدة لا ناقة للمرء فيها ولا جمل، وهو دعوة لترك الفضول والاهتمام بما هو منتج ومفيد للذات والأسرة. وفي معنى آخر ناقد للأمور التي لم تكتمل أو يكون ضجيجها أكثر من نفعها يقول المثل الشعبي: (برق لو كان له مطر)، ويُُضرب هذا المثل لمن يعلق آماله في شخص لا يستجيب، ولمن يكثر الكلام والوعود دون فعل حقيقي. فلسفته تميز بين

«الظاهرة» (البرق) و«النتيجة» (المطر)، في البيئة الصحراوية، قد يبرق السحاب ويخيب الرجاء فلا يسقط المطر، وقريب منه المثل العربي (أرََى خ ََالا وََلا أرََى م ََط ََرََاًً)، يضرب لكثير المال لا . ) 3 ( يُُص ََاب منه خير المطر والتدبير في المثل الشعبي الإماراتي وهذا جانب مهم يوظفه المثل الشعبي في معنى الأمطاروالسيول، فتنتقل هذه الأمثال من «القطرة» إلى «السيل»، لتعالج كيف يتعامل الإنسان مع الوفرة، والقدرة الاستيعابية للمجتمع، والمفارقات السلوكية، فيقول المثل الشعبي: (اسكن على

107

106

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

من القطرة إلى السيل: دلالات المطر في المثل الشعبي الإماراتي

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online