حكمة المطر
للبرد والمطر قبل مباغتتهما له. دلالته تشير إلى أهمية الخبرة التراثية في قراءة النجوم لتنظيم الحياة اليومية، وهي دعوة للانتباه لأن لكل زمن رجاله ولكل فصل استعداده الخاص. ومن أبرز الأمثال الشعبية المرتبطة بنجم سهيل، قولهم: (إذا طلع سهيل لا تأمن السيل)، وفي صيغة أخرى تقول: (لي دلق سهيل لا تأمن السيل)، وهو هنا في جميع صيغه يرصد بوعي وتحذير طبيعة المرحلة الانتقالية بين الصيف شديد الجفاف، وبين طقس الخريف الحميم الذي قد يحمل في طياته مخاطرة السيول، ففي نهاية أغسطس وبداية سبتمبر، تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض التدريجي، وتتهيأ السماء لحمل الغيم، ما يجعل السيول أمار محتملاًً، إذن المثل مبني على تجارب تاريخية حقيقية مع السيول المفاجئة قد تعكر صفو الحياة، وتؤدي إلى مخاطرة كبيرة يجب الانتباه لها رغم أن النجم قد يوحي بإيجابية الجو باحث إماراتي الهوامش والمراجع: . معدلي، علي، المطروتجلياته في شعرامرئ القيس وعبيد بن الأبرص، التراث 1 . 106 الأدبي، السنة الثانية، العدد السابع، ص . القيرواني، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري، زهر الآداب وثمر الألباب، 2 تحقيق: أ. د. يوسف علي طويل، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت - . 506 ، ص 1 م، ج 1997 هـ / 1417 لبنان، . الميداني، أبو الفضل أحمد بن محمد، مجمع الأمثال، تحقيق: محمد محيي 3 . 304 ، ص 1 الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت - لبنان، ج . 96 . سورة الأعراف آية 4 . 108 . الحمزاوي، علاء إسماعيل، الأمثال العربية والأمثال العامية مقارنة دلالية، ص 5 . 90 ، ص 2 . الميداني، مجمع الأمثال، ج 6
فيسخر من سوء التدبير؛ فالمزراب هو أداة تصريف المطر، ومن يرهنه وقت السيل فقد عقله. فلسفتهما تتعلق بـ «الضعف الإنساني» و«الحكمة في التوقيت» دلالتهما تحذر من سوء الإدارة في الأزمات، ويقابله المثل العربي (فََر مِِن المََطََر وقََعََد . ) 6 ( تََحْْت المِِيزابِِ) الوعي البيئي والحذر وفي الترقب لما قد يحدث من خلال الطقس والتنبؤات وما يماثلها من شؤون الحياة يقول المثل الشعبي: (إن شفت سهيل ضم عمرك يا قليل الحيل)، وهنا نجد نجم سهيل علامة فارقة في الخليج، بظهوره ينكسر حد الصيف ويبدأ البرد، يضرب المثل للاستعداد للتغيرات المناخية. فلسفته تقوم على «التحوط»؛ فالضعيف أو قليل الحيلة والتدبر يجب أن يستعد
من اتخاذهما هو غرض واحد، وماشي شرجه ما لها مجرى ماء منحدر، و«الشرجة» مفرد شراج وهي الشعاب التي تنسكب من خلالها المياه أثناء سقوط الغيث و«الشرجة» هي مجرى السيل الصغير. ي ُُضرب المثل للتعبير عن سعة الصدر أو قدرة العائلة على استيعاب أفرادها مهما كثروا. فلسفته مستمدة من الطبيعة؛ فالمجرى الذي خلقه الله للسيل مصمم لاستيعابه مهما عظم. دلالته تدعوإلى الترابط الاجتماعي والكرم؛ فكما أن الأرض لا تضيق بمائها، فإن «القلوب الكبيرة» والبيوت الأصيلة لا تضيق بضيوفها أو أهلها، وهي دعوة للتفاؤل بالقدرة على التحمل. وفي معنى الضيق والشكوى مع وجود النعم يقول المثل الشعبي، (شالّّنها السيل وتصيح بالعطش)، يضرب هذا المثل لمن يعيش في النعمة ولكنه دائم الشكوى، أو لمن يضيع منه الهدف الأساسي رغم توفره. فلسفته تتناول «المفارقة الساخرة»؛ فكيف لمن يغمره السيل أن يشتكي من العطش؟ دلالته تشير إلى الجحود أو عدم الوعي بالواقع، وغالبا ما يُُستخدم لانتقاد الأشخاص الذين يملكون الإمكانيات ومع ذلك يظهرون العجز أو الحاجة أمام الآخرين، ومثله المثل الشعبي . ) 5 ( العامي (نايم في المََيّّه وخايف من المطر) ومن الأمثال التي وظ ّّف فيها السيل على القوة والحذروالسخرية من بعض من يد ّّعي القوة بينما في الواقع هو ضعيف، يقول المثل الشعبي: (حمامة بالِِنّّها السيل) ويضرب في الخوف والجبن ومثل آخريقول: (حد يرهن مزرابه وقت السيل)، المثل الأول يصف الشخص الضعيف المنهك الذي أصابه من البلاء ما يفوق طاقته (كالحمامة تحت المطر الشديد)، أما الثاني
الماي ولا تسأل عن الرزق)، والمثل يعني أن الذي يقيم بالقرب من الماء فإن رزقه مضمون، فأينما وجد الماء فستجد الطعام بوفرة، ومن جانب آخر فهذا المثل يجسد الوعي الجغرافي بأهمية الموارد؛ فوجود الماء هو أصل كل رزق (زراعة، سقي، استقرار). فلسفته تقوم على أن اختيار «المصدر» الصحيح والأساس القوي يغني عن القلق من النتائج. دلالته التراثية تؤكد أن الذكاء في اختيار مكان السكن أو نوع الحرفة (التي يمثلها الماء) هو الضمان الحقيقي للمستقبل، فالرزق يتبع المورد كما يتبع الطير الزرع، وفي المعنى ذاته (ما دام السيل يسكب الحصى رطب)، يضرب للدلالة على استمرارية الخير أو بقاء الأثر الجميل ما دام السبب موجوداًً، فلسفته تربط بين استمرار «السيل» وبقاء الحصى «رطباًً»، وهي كناية عن دوام المعروف وتواصل الود، دلالته تشجع على استغلال الفرص وأوقات الرخاء؛ فمادام العطاء مستم ارًً، فإن الحياة تظل لينة وجميلة، ومادام الحاكم أو كبير القوم يعطي، فإن الرعية في خير ونعمة. وهذه المعاني أشارت إليها الآية في سياق علاقة ٓ ءََامََنُُوا واتقوا ՙٰٓ الرزق بنزول الغيث والإيمان: ﴿ولوا أََن أََهل ٱلق ُُرََى ، فتظهر العلاقة ) 4 ( َرْْض ِِ﴾ �َ ِن الَّسََمَاء وََالْأ �ِّ لََفََتََحْْنََا عََلََيْْهِِم بََرََكََات م الجدلية القائمة بين الإيمان والتقوى من جهة، والبركات التي تنزل من السماء والأرض من جهة أخرى، مما يعكس فلسفة العدل الإلهي في الجزاء والثواب، كما ربطت بين التقوى والبركات والنعم المتنوعة. ويقول المثل (ما شي شرجه ضاقت بسيلها)، يعني أنه ليس من الصعوبة جمع شيئين مترافقين إذا كان الهدف أو الغرض
109
108
2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد
من القطرة إلى السيل: دلالات المطر في المثل الشعبي الإماراتي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online