Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

رمزية السدود والأودية في الثقافة الإماراتية

صلة المكان بالهوية م إلى الشبكة العالمية لمحميات 2018 انضمّّت المحمية عام المحيط الحيوي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو»، لتصبح ثاني محمية إماراتية تحمل هذا التصنيف الدولي. ويعكس هذا الانضمام رؤية إماراتية تقوم على التوازن بين التنمية البيئية والحفاظ على القيم الثقافية المتجذ ّّرة في المكان، إذ يمثل «المحيط الحيوي» لدى اليونسكو نهجا مبتك اََر للعيش والعمل في وئام مع الطبيعة، وأحد أهدافه تحقيق توازن مستدام ما بين التنوع البيولوجي وتعزيز التنمية الاقتصادية والحفاظ على القيم الثقافية المرتبطة بالمكان. فالوادي هنا ليس مجرد مََعْْلم طبيعي، بل ذاكرة اجتماعية حيّّة تُُمارس فيها المعرفة المحلية وتتجسد من خلالها علاقات التعاون الأهلي. ومع وجود «وادي زكت» في المنطقة، فقد أُُدرجت المحمية م ضمن قائمة اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة 2010 منذ عام ذات الأهمية الدولية، مما عزّّز مكانتها بوصفها فضاء تعليميا ومجتمعيا مفتوحاًً، لا كمحمية مُُسيّّجة، بل كنموذج لإدارة الموارد بالمشاركة، حيث تتكامل الاستدامة البيئية مع الوعي المجتمعي. كما تُُترجم المحمية مبادئ اليونسكو للمشاركة المجتمعية من خلال برامج حيّّة، مثل إشراك الأهالي في

ببحيرات السدود لتغذيتها بمياه الأمطار، مما أسهم في إحياء هذه الأنظمة التاريخية والحفاظ عليها كموروث وطني مستدام.

مدينة الفجيرة، بين خورفكان والبدية. ويُُشتق اسم الوادي من نبات الورع (القصب) المنتشر حول برك المياه الدائمة، الذي كانت أوراقه تُُستخدم في بناء المساكن الصيفية. تُُغطي كيلومترمربع، وت ُُعد من أهم مصادر 200 المحمية مساحة تفوق المياه العذبة في شبه الجزيرة العربية، إذ تتدفق ينابيعها وشلالاتها من تجاويف صخرية على مدار العام، وتتضاعف في موسم الأمطار بفضل السدود المقامة في المنطقة، ما يجعل مياهها صالحة للشرب والري وشريانا للحياة الزراعية والريفية في المناطق المجاورة. وتحتضن المحمية تنوعا حيويا استثنائيا يشمل حيوانات برية وطيورا وأنواعا من البرمائيات والحشرات والنباتات الجبلية، كما تُُعد موطنا لعدد من الأنواع النادرة المهددة بالانقراض. أما من الناحية العلمية، فإن المنطقة الأساسية في وادي الوريعة تُُعد حوض تجميع مائي نشطا ونظاما هيدرولوجيا متكاملا تُُغذّّيه طبقات جوفية قابلة لإعادة الشحن، وهي سمة نادرة

الحضور في الأدب الشعبي ونظ ار لما للماء والأودية والسيول من أهمية في حياة الإنسان الإماراتي، فقد تغلغلت هذه الأهمية في الأدب الشعبي الذي زخرت أمثاله وأقواله بالح ِِكم المستوحاة من الطبيعة. ومن تلك الأمثال ذلك الذي يقول: «خطف السيل ع الغيل»، ويُُضرب للتعبير عن اكتساح القوي للضعيف، تشبيها بالسيل الجارف الذي يجرف الغيل في طريقه. ويقول مثل شعبي آخر: «الحدر حدر الروس، والشكر للوادي»، والحدرهوالسيل الجاري، والروس هي أعالي الجبال، وهو ي ُُذك ّّر بضرورة شكر الجبال التي تغذ ّّي الأودية بالمياه، وينتقد مََن يوج ّّه الشكرلغيرمستحقه. وثمة حكمة شعبية تقول: «إذا هب ّّت النكبا بيوم وليله، خوفي على وادي المحيل يسيل». والنكبا أو (النجبا) هي نسيم الصبا أو «الشرجي»، وتُُقال تفاؤلا بالمطر عند هبوب رياح الشرق، إذ ت ُُبش ّّر بسيل الأودية بعد الجفاف. وادي الوريعة... استدامة الحياة وذاكرة الماء وفي تجسيد الدور التاريخي للأودية والسدود في تشكيل الوعي المائي في دولة الإمارات، نجد في وادي الوريعة نموذجا معاص ار يصون هذا التراث ويُُجدّّده بروح حديثة. ففي ظروف التقت فيها هِِبََة الخالق بإبداع الإنسان الإماراتي، استطاعت محمية وادي الوريعة في إمارة الفجيرة أن تجمع بين فرادة الطبيعة وعمق الثقافة؛ حيث تتجلى المياه الدائمة في قلب الجفاف، ويتجاور التنوع الحيوي مع الأثر البشري الممتد من العصور القديمة حتى اليوم. وكما كانت الأودية في الماضي مسرحا للتكافل والعمل الجماعي حول الماء، فإن وادي الوريعة اليوم يقدّّم صيغة جديدة لهذا الإرث؛ محمية تُُشرِِك الناس، وتُُعلّّم الزوار، وتُُدار بمنطق الاستدامة، لتبقى مرآة للهوية الإماراتية ومختب ار حيّّا لإدارة المياه، تتقاطع عنده قيمة المكان وحكمة المجتمع وأدوات العلم. كامل Ԇ نظام بيئي وهيدرولوجي مت تقع المحمية في قلب جبال الحجر الممتدة من سلطنة ع ُُمان كيلومت ار شمال 45 جنوبا إلى مضيق هرمزشمالا ًً، على ب ُُعد نحو

سد حتا، دبي

في البيئات القاحلة. وتضم المحمية مستجمعََي مياه رئيسيين هما: «وادي الوريعة» و«وادي زكت»، وكلاهما يتصل بمنظومة من الروافد أبرزها سد الراحب (سد وادي زكت)، الذي يسهم ِمت �ِّ في تخزين المياه وإعادة تغذية الخزانات الجوفية. وقد ص ُُم حدود المحمية لتشمل كامل المستجمعين ومعظم الموائل المرتبطة بهما، حفاظا على وحدة المنظومة البيئية - المائية بوصفها كيانا متكاملا لا تُُفصل فيه المجاري عن منابعها.

11

10

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

الإنسان والماء في أرض الندرة.. حين يصون الوادي الحياة ويجد ّّد المعنى

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online