Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

تراث النغم

النغم والتراث بين الفصيح والعامي

فوضعت دراسة النغم في كليات الآداب مع الشعر والرواية والنقد والتاريخ؛ إلى آخره. في حكايات كتب الأقدمين عن أهل النغم، يكشف سترمظاهر اجتماعية كثيرة، عن السماع، إجازته والترخيص فيه، وعن اللهو بالسماع أو السماع الم ُُطلق، وعن التنظير والآلات اختلافا بين عصروعصر، وبين مكان ََين في عصرواحد. دون إطالة في المقدمات، لنبدأ هذه الحكايات بقصتََين متقاربتََين زمنيا مطلع القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي. القصتان وردتا في كتاب الأغاني؛ كيف يكشف لنا عن تصنيف ِق أهل النغم بين غناء �ِّ الغناء في زمن دولة بني مروان؟ كيف يفر الفصحاء وغناء العامة؛ أي الموسيقى الكلاسيكية (الفصيحة) وتلك التي ترتبط بمناسبات أو ح ِِرََف (العامية)؟ نترك القارئ مع أبي الفرج الأصفهاني وكتابه الأغاني (المجلد ) وحديثه عن رحلة معبد إلى دمشق؛ إجابة لطلب 22 الأول، ص الوليد بن يزيد إشخاصه إليه: خبر معبد مع رجل لم يستحسن غناءه: قال إسحاق (يعني إسحاق بن إبراهيم الموصلي): وقال معبد: أرسل إلي الوليد بن يزيد فأُُش ْْخِِص ْْت إليه. فبينما أنا يوما في بعض حمامات الشام إذ دخل علي رجل له هيبة ومعه غلمان له، فأطل واشتغل به صاحب الحمام عن سائر الناس. فقلت: والله لئن لم أطلع هذا على بعض ما عندي لأكونن بمزجرالكلب. ّي ثم ت نرّّمت فالتفت إلي ََّ، وقال �ِّ فاستدبرته حيث يراني ويسمع من للغلمان: قد ّّموا إليه جميع ما هاهنا؛ فصار جميع ما كان بين يد ََيه عندي. قال: ثم سألني أن أسير معه إلى منزله، فأجبته، فلم يدع من البروالإكرام شيئا إلا فعله، ثم وضع النبيذ فجعلت لا آتي بحسن إلا خرجت إلى ما هو أحسن منه؛ وهو لا يرتاح ولا يحفل لما يرى منّّي.. فلم ََّا طال عليه أمري، قال: يا غلام شيخنا. فأدخلوا عليه رجلا يغنّّي غناء العوام والسوقة، فغنّّاه: سلــــــــور في الق ِِــــــد ْْر ويلـــــــــي علــوه جـــــــــــــــــاء الق ِِط أكلـــه ويلي علـــوه والسلور: السمك الجري بلغة أهل الشام. قال: فجعل صاحب المنزل يصفّّق ويضرب برجله طربا وسرو ارًً. قال: ثم غنّّاه: ََــــــــبُُنِِي ح ََبِِيبــــــــــــــــة لا أََراهــــــــــــا وََتََرْْمِِينِِــــــي ح ََبِِيبــــــــــــة بِِالد ُُراقِِــــــــــــــــــن وََتََح ْْس

منذ ما يزيد على أربعة قرون، أصبح النغم في أُُمتنا مجرد ٍ في حال مصاحبة أغلب الأمر، وإن استقل فهو �ٍّ ِي �ِّ ترفيه حس لمناسبة أو طقس قلّّما كان روحياًً، حيث فقد النغم في أمتنا حينها مكانة وصل إليها منذ بزوغ شمس الحضارة الإسلامية في القرن الأول الهجري واستمرعليها زيادة على تسعة قرون؛ فمنذ صدرالحضارة الإسلامية كان النغم مظه ار من مظاهرالعمران، ومكونا من مكونات الازدهار الحضاري وعنصار من عناصر آداب الأمة؛ مكونا يعبر عن الألسن والأعراق والأديان فتندمج فيه بسهولة ويُُسر سائر الشعوب التي دخلت تحت مظلة هذه الحضارة الناشئة، فتعاقبت الدول جمعا وتفريقا وبقي النغم شاهدا على وحدة حال هذه الأمة مهما فرََّقتها الألسن والحدود. تروي لنا كتب التراث حكايات أهل النغم ومكانة الموسيقى في المجتمع، فنرى انعكاس حال المجتمع من صعود وهبوط، من تطور وتدهور؛ كانعكاس الصورة في المرآة، وليس الغريب

مصطفى سعيد أكاديمي في علم النغم

أن تستفيض الكتب في سرد حال النغم، إنما الأغرب أننا نجد أكثرالروايات عن أهل النغم في كتب الأدب، أضعافا مضاعفة عن الكتب التنظيرية في علم الموسيقى. مثلا ًً؛ تفسير هذا أن النغم كان حتى وقت قريب مظه ار من مظاهرالأدب والحضارة، وقد يكون هذا مرجعا بأن أوروبا حين أرادت النهضة؛ مُُنشئة النظم العلمية الحديثة، مستفيدة من الحضارة التي سبقتها،

والدراقن: اسم الخوخ بلغة أهل الشام. فكاد يخرج من جلده طرباًً. قال (أي معبد): «فانسللت منهم، فانصرفت ولم يعلم بي. فما رأيت مثل ذلك اليوم غناء أضيع ولا شيخا أجهل!». لم يعترض معبد على عموم هذا النوع من النغم، إنما اعترض على وجوده في غير موضعه، واستغرب رجلا ذا يسار وهيبة أن يقيم مجلس غناء فلا يطرب للنغم الفصيح بل أكثرمن هذا لم يفهمه واستلذ النغم العامّّي عليه، واستغرب أن يتحول مجلس السماع الذي يغلب عليه حال النشوة الهادئة بالطرب إلى صياح وج ََلََبة قريبة في زماننا لما يُُعرف بالـ (ترانس) الناجم عن سماع الموجات القوية والصخب مثل تلك الناجمة عن مكبرات الصوت والأجهزة الإلكترونية والتكنو. والحال أن معبد يدرك تماما فوارق أنواع النغم، ويعرف أن لكل مقام مقالا ًً، ويستنكر في زمانه على م ََن لا يدرك هذه الفوارق

119

118

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

النغم والتراث بين الفصيح والعامي

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online