Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

أسطورة الجبل

مريم الزعابي يُُعد الوعل العربي رم از تراثيا راسخا في الذاكرة البيئية والثقافية للجزيرة العربية؛ فهو أيقونة الجبل ومرآة قيم الحرية والصمود والانسجام العميق مع تضاريس الطبيعة القاسية. ولم يبق هذا الكائن النبيل حبيس موائله الوعرة، بل امتد حضوره إلى فضاءات الأدب والخيال، متشحا برمزية فريدة بلغت في بعض الأحيان حد الأسطورة. ففي الشعرالعربي تجل ّّى الوعل صورة للقوة والانفراد والعزلة الكريمة، وفي الأدب أصبح نموذجا للتوازن بين الإنسان والطبيعة، أما في الحكايات الشعبية فقد غدا مجا از للشموخ والنباهة والمكابدة. هو الكائن الذي إذا ارتقى أعالي الجبال استعصى على القنص، وإذا ظهرعلى السفوح استحضرت معه الأرض صلابتها وزهوة جبالها. رمزية الوعل في الوجدان العربي تتجلى رمزية الوعل في ارتباط الإنسان العربي ببيئته القاسية؛ فكما عاش الإنسان تحديات الجبال والوديان، عاش الوعل الصعوبات ذاتها، متخطيا المخاطر معتمدا على مهارته في التسل ّّق والتخفي. هذا الصراع النبيل من أجل البقاء، بما يحمله من جمال الطبيعة وجلالها، وجد صدى عميقا في وجدان الشاعر العربي الذي رأى في الوعل مرآة للكرامة والصمود والابتعاد عن الذل. ومن هنا برز الوعل بوصفه رم از فلسفيا في الشعرالعربي القديم، إذ تناوله الشعراء في سياقات تأملية متعددة، وجعلوا من العلاقة بين الإنسان والطبيعة خلفية غنية للتصوير والتعبير، حتى غدا الوعل إحدى أبرز الرموز المهيبة في مخيلتهم الشعرية. فالشاعر : ) 1 ( عمرو بن كلثوم يقول : الوعل العربي أيقونة الجبل ورمز الحرية في الذاكرة الثقافية

ُُــــــــــــــــــــــــلا إذا ما نزعنــــــــــــــــــــــــا الوعــــــــــــــــــــــــل عـــــن ذُُرى الع

أتتكــــــــــــم ذئــــــــــــــــــاب السهــــــــل تنهــــــــــــــــــش ما بقــــــــــــــــــــــــي في هذا البيت، يشير إلى أن انسحاب القوة الحقيقية - ممثلة في الوعل - يفتح المجال أمام الضعف والفوضى. الوعل هنا رمز للقادة النبلاء الذين إن غابوا، ضاعت المهابة. ومن أشهر الأبيات التي تحكي عن الوعل في إطار تشبيه كمثال : ) 2 ( للتحدي وقوة النطح، يقول الأعشى ِِــــــــــــــــــــــــح ص ََخــــــــــــــــــــــــرََة يََومــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا لِِيََفلِِقََهــــــــــــــــــــــــــــــا ُُك ََناط ِِــــــــــــــــــــــــــــل فََلََــــــــــــــــــــــــم يََض ِِرهــــــــــــــــــا وََأََوهــــــــــــى ق نََرََــــــــــــــــــه الوََع والبيت من الشواهد اللغوية، ويُُجسّّد البيت صورة الاندفاع الأحمق والعناد غيرالمدروس، حيث يشب ّّه الشاعرحال الإنسان الذي يواجه قوة تفوقه دون حكمة، بالوعل الذي نطح الصخرة ليكسرها فلم يفلح، بل كسر قرنه وأضر نفسه. الدلالة العميقة في البيت تُُحذّّر من التسرع في التحدي دون إدراك لحجم الخصم أو العاقبة، فلسفة القوة تبدو في التوازن لا في التهور. ويقول الشنفرى في لامية العرب، حين هجر قومه وانتقل إلى : ) 3 ( البيداء، يعيش بين الضباع والوعول ُُتََـــــــــــــــــــــــرُُود الأرََاوِِي ال ُّصّْحْـــــــــــــــــــم ح ََوْْلــــــــــــــــــي كأّنّـهــــــــــــــــــــــــا ََـــــــــــــــــــذ ََارََى ع ََلََيْْهِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــن المُُــــــــــــــــــــــــــــــلاََء المُُذ ََيَّّـــــــــــــــــــــــــل ع ََـــــــــــــــــــال ح ََو ْْل ِِــــــــــــــــــي كأ ّنّنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ُُويََرْْكُُـــــــــــــــــــــــــــــــدْْن بالآص ْْـــــــــــــم أدْْفــــــــــــــــــى يََنْْتََحي الك ِِيــــــح أع ْْقََــــــــــــل مِِــــــن العُُص والأراوي هي إناث الوعول، والأدفى هو ذكرها، ويشبه الشنفرى نفسه بوحدته في الصحراء بالوعل، والمعنى أن الوعول آنسته، فهي تثبت في مكانها عند رؤيته، وكأن الشاعر أصبح جزءا من بيئة الوحوش، وإن كان هو أخطروحوشها. ونجد الشاعر العربي يستدعي صورة مساكن الوعول، وامتناعها في تلك الأماكن الشامخة، فأضفاها على نفسه؛ إذ تستحضر تلك الصورة في وََعْْي المجتمع هالة الجلال والقدسية. فيصف عََدِِي بن زيد العبادي رحلة الوُُعُُول إلى الجبل المُُقدَّّس، والص ّّخور المنزلقة التي تُُنهِِك الوعول في الوصول إلى الأفق : ) 4 ( الآمِِن، فيقول ْْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلا ُُــــــــــــــــــــــــــــــف بالعِِضــــــــــــــــــــــــــــــاه وأََع ُُأََسْْفََــــــــــــــــــل ح ُُــــــــــــــــــــــــول دََلُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــوق ِِــــــــــــــــــــــــب الوُُع ه ص ََف ََــــــــــــــــــــــــــــــا ي ُُل ْْغ وقد استُُخدم الوعل كثي ار في الشعر الصوفي بوصفه كائنا يتأمل الطبيعة من علٍٍ، ويعيش في عزلة، كما جاء في بعض أشعار الحلاج وابن الفارض، هذه العزلة لم تكن سلبية، بل هي

121 2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

120 الوعل العربي: أيقونة الجبل ورمز الحرية في الذاكرة الثقافية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online