Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

أسطورة الجبل

تعبير عن ارتقاء في الوعي، كذلك، فإن ش ِِعر المهجر في القرن العشرين استلهم رمزية الوعل، لا سيما لدى إيليا أبو ماضي الذي يكتب عن «الحياة فوق المرتفعات»، ويدعو إلى التجرد من ماديات المجتمع والانعتاق نحو الحرية والكرامة. وفي العصر الحديث تمثل الشعراء بالوعل في سياقات لا تخلو من الإشارة : ) 5 ( بمكانة الوعل، كما في قول الشاعر إبراهيم الطباطبائي إن صبََّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح البـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــازي غابتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه فقنـــــــــيصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه الأعضــــــــــــــــــــــــــــــــــاد والقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلل ُُلا تطــــــــــــــــــــــــــــــرق الأوغـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاد أجمتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه أو يعلـــــــــــــــــــــــــــــــــو خيـــــــــــــــــس الضيغـــــــــــــــــم الوعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل فالشاعر يرسم لوحة رمزية عن السمو والرتبة، مشب ّّها الشرفاء بالبازي والأسد، ويجعل من الوعل رم از للعلو الجبلي ولكن في دوره المحدد كفريسة لا كسيد، في البيتين الوعل لا يُُحتقر، ولكن يُُوضع في مقامه الرمزي الطبيعي، فهو قوي، حر، لكن ليس أرفع من الأسد أو البازي، أما إذا انقلبت الأدوار، وصار الوعل يعلو «خيس الضيغم»، فهو تحذير من فساد في المعايير والتراتبية القيمية في المجتمع. ويستدعي الشاعر العراقي جعفر الحلي الوعل ليرسم في تشبيه ضمني صورة للوعل وثباته فيقول: رََعـــــــــــــــــى اللََـــــــــــــــــه أََبنـــــــــــــــــاء التََقــــــــــــــــــــــــــــــــــي فََكلهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم نُُجــــــــــــــــــــــــــــــــــوم بِِهم نُُهـــــــــــــــــدى إِِذا دجت الس ُُبـــــــــــــــــــــــــــل لََقََـــــــــــــــــد ثََبـــــــــــــــــتت أََقدامهــــــــــــــــــــــــــــــــــم فــــــــــــــــــــــــي مََزالـــــــــــــــــق ع ََلى مثلهـــــــــــــــــا لا يُُثبـــــــــــــــــت الأََعصـــــــــــــــــم الوََعـــــــــــــــــــــــل في هذين البيتين يستدعي الشاعر صورة الوعل العصم (ذو الظلف القوي) رم از للقوة الجبلية والتوازن الحاد في المواضع الوعرة، ليقيس عليها ثبات أبناء التقي في المزالق الأخلاقية والحياتية. غير أن الشاعر يرتقي بهؤلاء حتى يُُثبت أنهم أشد ثباتا من الوعل ذاته، الذي لا يثبت على مثل تلك المزالق التي ثبتوا فيها. فلسفياًً، الوعل هنا رمز للطبيعة الجبلية المنيعة، أما الإنسان التقي ففائق للطبيعة في ثباته، مما يعكس نزعة صوفية ترى في الروح المؤمنة قدرة تتجاوز حدود الجسد والمادة. وظ ّّف الشاعر الوعل ليجعل من «العصم» معيا ارًً، ثم يعلو بأبطاله فوقه.

الصلت حين حضرته الوفاة، فأغمي عليه ثم أفاق فرفع رأسه فنظر حيال باب البيت، وقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا عشيرتي تحميني، ولا مالي يفديني، ثم أغمي عليه ثم أفاق فرفع رأسه وقال: كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل حـــــــــــــــــي وإن تطــــــــــــــــــــــــــــــــــاول دهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرا آيــــــــــــــــــــــــــــــــــل أمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــره إلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى أن يـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزولا ليتنـــــــــــــــــي كنــــــــــــــــــــــــــت قبـــــــــــــــــل ما قـــــــــــــد بـــــــــــــــدا لـــــــــــــــــــــــــي فـــــــــــــــــي رؤوس الجبــــــــــــــــــــــــــــــــــال أرعـــــــــــــــــى الوعـــــــــــــــــــــــولا ». فالشاعر يشير إلى الوعول في البيتين في ) 6 ( ثم فاضت نفسه إطارفلسفة العزلة والسكينة والسلام الداخلي بعيدا عن صخب الحياة وفنائها المحتوم، ويتمنى الشاعر لو عاش عيشة رعي الوعول في رؤوس الجبال، حيث الطهر والبساطة والمنعة من تقلبات الزمن، إنها تمثل هنا ملاذا وجوديا يفيض بالطمأنينة والانفصال عن فوضى العالم. وفي الأمثال الشعبية، نجد إشارات وإن كانت قليلة إلى الوعل ومنها قولهم: (أََزْْهََى مِِن َوَع ِِل ٍٍ) قيل: هو الشاء الجبلي، وزعموا . ) 7 ( أن اسمه مشتق من الوعلة، وهي البقعة المُُنِِيفََة من الجبل وي ُُضرب في التفاخروالخيلاء؛ فالوعل ي ُُعرف بارتفاعه في الجبال وشموخه، لكنه قد ي ُُنظر إليه أيضا على أنه يتباهى بما لا يملك.

وفي الختام: إن صورة الوعل العربي في الشعر وفي الأدب تمثل تجربة وجدانية وتاريخية عند الشاعر العربي في البادية والجبل، في الوحدة والتأمل، في المقاومة والكبرياء. فهو شاهد على صراع الذات مع الحياة، وعلى فلسفة الجمال الممزوجة بالخطر. ولهذا، ظل هذا الحيوان يحتل مكانته في وجدان الشاعرالعربي من الجاهلية إلى اليوم، لا كرمزبيئي فحسب، بل كتمثيل للذات الحرة الكريمة القوية باحثة من الإمارات الهوامش والمراجع: . الشيباني، شرح المعلقات السبع، تحقيق وشرح: عبد المجيد همو، الناشر: 1 م. 2001 هـ - 1422 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، . 31 ص . 31 . الشيباني، شرح المعلقات السبع، المرجع السابق. ص 2 . لامية العرب. للشنفرى. 3 . العبادي، ع ََد ِِي بن زيد، ديوانه، تحقيق، محمد جب ّّار المعيبد، دار الجمهورية، 4 . 79 م، ص 1965 بغداد . ديوان إبراهيم الطباطبائي، مطبعة العرفان، صيدا. 5 . الدميري، حياة الحيوان الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الثانية، 6 . 549 ، ص 2 هـ. ج 1424 . الميداني، مجمع الأمثال، تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد، الناشر: دار 7

فالمثل يلمح إلى الزهو الفارغ أو الكبرياء الزائد. ومن الأمثال ، ويُُضرب في خفة ) 8 ( السائرة قولهم: (أوقََل من وعِِل ٍٍ، ومن غُُفْْرٍٍ) الحركة وسرعة الفرار، حيث يشيرإلى الوعل والغ ُُف ْْر(ولد الوعل) في رشاقتهما في القفز بين الصخور والتلال الوعرة. فلسفة المثل تتجاوز المعنى الحركي لتدل على من لا يُُعتمد عليه في الشدائد، إذ يهرب سريعا عند الخطرولا ي ُُؤم ََن جانبه. فالمضرب هنا يطال الشخص قليل الثبات، الذي يفر عند أول هزة، تماما كما تفعل الوعول عند أدنى حركة. يوظف المثل الحيوان كمرآة للإنسان في موقف الضعف أو الجبن المقن ّّع بخفة. ومن المقولات الشعبية (لا يؤتى من مأمنه الوعل)، (الوعل ما ينزل الوادي إلا وعنده غاية)، وقالوا (الوعل ما ينزل للسهل إلا وهو عطشان موت)، وهي إشارة إلى أن الكريم لا يترك ع ِِزّّته إلا مضط ارًً، وأن من يقدر على صيده، فقد بلغ قمة المهارة، وهي أمثال تحث على الحكمة، وعدم التسرع، وضرورة قراءة الواقع كما يقرأ الوعل مجاله الحيوي. أما في قصص الآباء، والأمهات، وفي حكايات الجدة قرب موقد الحطب، يظهر الوعل ككائن استثنائي، لا ي ُُطارد في السهل، ولا يُُصاد إلا بحنكة، ومن يصيبه، عليه أن يكون فارسا لا قاتلاًً، حكيما لا متعجلا ًً.

الوعل في الأمثال والحكايات جاء في كتاب حياة الحيوان الكبرى، أنه «حضر أمية بن أبي

. 327 ، ص 1 المعرفة - بيروت، لبنان. ج . 381 ، ص 2 . الميداني، مجمع الأمثال. ج 8

123

122

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

الوعل العربي: أيقونة الجبل ورمز الحرية في الذاكرة الثقافية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online