Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

حوار خاص

مؤرخ الاتحاد ووثائقه حمدان الدرعي:

الثقافي بما يتلاءم مع كل فئة عمرية، لنصل إلى حراك ثقافي وتوجه نحو العب من بساتين المعرفة، وقد تواءمت الصورة الذهنية مع ما يقابلها في الواقع، فكما أن «القوع» نبتة تنموية وعمرانية ترعرعت في كنف ما كان آنفا يعرف بالربع الخالي، فكان هناك التعطش للمعرفة أيضا على غرار تلهف الصحراء لزخات المطر، فكنت لا ألو جهدا في الانطلاق يوميا نحو منافذ البيع لاقتناء العدد اليومي لصحيفة «الاتحاد» وذلك على الرغم من وصولها غداة الظهيرة! إلا أنني كنت أجد متعة القراءة حتى التحقت شيئا فشيئا بالمشاركة في صفحة كانت بعنوان «رأي الناس» تارة بالصورة وتارة بالمقالات المختصرة، مذيلة بالرسومات! كما كانت مجلة ماجد تتيح للقراء فرصة أن يكونوا مراسلين لها، مما دفع بي لاقتحام أولى الخطوات اللازمة لكسر الخجل الذي يحول بين الإنسان ومبتغاه، حيث ما إن غاضت حتى فاضت! وهكذا فالقوع ببيئتها المحافظة ومكتبة مدرستها شك ّّلت الحاضن الأول نحو إبصار الطريق باتجاه الترف الفكري والإنتاج العلمي، لأنه لم يكن من أبجديات ذلك الوقت الوقوف على شواخص الكتب أو الاطلاع على قراءات خارجية. • كيف تنظرإلى التجارب التراثية التي عايشتها خلال مسيرتك العلمية؟ أسدى صاحب الذكرالخالد والاسم المنيف، المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، خدمات جليلة

للتراث والمعنيين به، حيث أسس «مركززايد للتراث والتاريخ» في م، الذي شكّّل بقعة ضوء في دلجة التغريب الثقافي 1999 عام الذي عصف بالمنطقة، فقد شكّّل ذلك المركز الذي عُُرف لاحقا بمركز زايد للدراسات والبحوث ألقا معرفيا وتراثيا خالصا يُُحسب له من حيث ذلك الاحتضان للتراث تدوينا ونش ار وتوثيقاًً، وذلك مشاهد من خلال مطبوعات المركز التراثية والتاريخية والعلمية، هذا عدا عن عدد من المؤتمرات العالمية التي استضافها، ومجلته المميزة «تراث» التي لا تزال بمثابة الشريان الذي ينبض بالتراث عشقا ونش ار وملتقى للمهتمين والمعنيين. ولعل في تجربة معهد الشارقة للتراث، ولفيف المبادرات وزخم

في هذا الحوار، يأخذنا الدكتور حمدان الدرعي في رحلة داخل العمق التاريخي للإمارات؛ رحلة تكشف أثر المكان في بناء الوعي، ودور البحث الأكاديمي في ترسيخ الهوية وصون التراث. ومن خلال تأملاته وذكرياته، نقترب من خيوط الحكاية التي تشك ّّل جوهر السرد الوطني، وما تزخر به من أصالة ومعرفة وامتداد حضاري. • إلى أي مدى أثّّرت منطقة «القوع» في تشكيل وعيك التعليمي والثقافي؟ لا شك أن للمكان تأثي ار بالغا في تكوين الشخصية، فالإنسان هو ابن بيئته، وذلك ظاهر للعيان، فكل إناء بما فيه ينضح، وأجد نفسي محظوظا في البيئة المعينة على توافر أدوات المعرفة، فالقوع كانت هبة الشيخ زايد - طيب الله ثراه ورفع ذكره - لقبيلة الدروع، حيث كان ذلك النسيج القبلي المتراص، دونما رهق بنيوي أو نصب من تنافرالأجناس، ونشأت في ذلك الوسط الذي كان محظوظا بتوفر التعليم الحكومي ووصول الخدمات إليها، وهناك تعرفت على ذاتي من خلال الخوض التدريجي في كنف الك ُُتب من حيث الاستظلال بالوفرة العلمية التي تزخر بها المكتبة المدرسية، والتي قادتني إلى المكتبات العامة والصروح العلمية الوطنية كالمجمع الثقافي ومكتبة زايد المركزية، فقد كانت تلك الأماكن بمثابة الرئة التي أتنفس بها وأجد ذاتي فيها، ولهذا أحب أن ألفت نظر المعنيين نحو ضرورة إيجاد المكنون

هشام أزكيض ، خرج إلى النور 1976 من مدينة العين الهادئة، وفي عام الدكتور حمدان راشد علي الدرعي، من الأسماء البحثية الموثوق بها في سرد التاريخ الإماراتي وتدوين ذاكرته. نشأ الدرعي في بيئة صاغت وعيه المبكر، ودفعت به نحوالمعرفة والبحث والتأمل في جذور المكان وهويته. وقد صقلت رحلته الأكاديمية هذا الشغف؛ إذ درس العلوم السياسية والفلسفة والتاريخ في جامعة جونزاجا بولاية واشنطن بتقديرامتياز، ثم واصل طريقه العلمي بالحصول على ماجستير إدارة الأعمال من جامعة الإمارات، قبل أن ينال درجة الدكتوراه من جامعة جرينوبل الفرنسية بالتعاون مع كليات التقنية العليا، ليفوز بعدها بجائزة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم للتفوق العلمي. لا يكتفي الدرعي بدور المؤرخ التقليدي؛ فهو يعمل على وصل الماضي بالحاضر، مُُعيدا قراءة الوثائق النادرة ومحفوظات الأرشيف البريطاني، ومستخرجا منها تفاصيل صنعت ملامح الاتحاد ونهضة الإمارات. وقد تجلّّى هذا الجهد في كتبه التي أصبحت مراجع معتمدة، مثل «زايد: سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد»، و«قصة النفط في أبوظبي». وحملت مقالاته في مجلتي «تراث» و«ليوا» روح الباحث الراغب في مشاركة المعرفة وحماية الذاكرة الوطنية.

125

124

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

حمدان الدرعي: مؤرخ الاتحاد ووثائقه

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online