Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

رمزية السدود والأودية في الثقافة الإماراتية

الوادي، وعدم قطع الأشجار، وهو ما تضمنه المثل ضمنياًً، في قولهم: (لو كل من يا ون ََج ََرما تم في الوادي شجر)، ومعناه: أي إن كانت أشجار الوادي متاحة لكل من لديه فأس، فإن الأشجارستنفذ بفعل تهافت الناس عليها بحاجة وبغيرحاجة، فالمقصود من ورائه. فلكل إنسان مهنة، ولكل حرفة هناك من يؤديها بإتقان، فالرسالة موجهة لمن يتعدون على مهن واختصاص غيرهم دون معرفة، متسببين في إلحاق الضرر به. هذا المثل يشتغل على البنية الرمزية للوادي كشاهد على تكرار المحاولات البشرية، نجر تعني قطع أو أخذ، مما يوحي باستنزاف الموارد. الوادي هنا فضاء دائم الإنتاج رغم الاستنزاف، لكنه ينهار إن لم ي ُُصن، البنية السيميائية ثنائية: الوفرة/الاستنزاف. الرسالة: إن الصبر على الزمن شرط لبقاء الموارد، وإلا فالتيه في الاستغلال سيقضي على الحياة. الوادي مكان التيه والضياع والوادي لا يقتصر على مجاري السيول وإنما صار في المثل الشعبي رم از تجري فيه الأخلاق وتتعدد أصول التربية كما في قولهم: (المربيات في كل وادي)، هذا المثل يعبر عن انتشار الظواهر أو الأشخاص في كل مكان، أي إن «المربيات» (قد تعني النسوة المهتمات أو اللاتي يتولين تربية الأولاد أو شؤون معينة) لا تقتصر على مكان محدد. ضمن السياق البيئي للوديان، يدل المثل على أن الأمور الحياتية تتكرر وتتوزع عبر الوديان المختلفة، وهو انعكاس للتنوع وعدم الحصر، وهو تعبير عن شمولية الخبرات الإنسانية التي تعيش في بيئة طبيعية متقلبة. فلسفة المثل تقوم على فكرة البراغماتية وتقبل التفاوت والتعدد وعدم الانحصار في منطقة خاصة. وهذا يجري في سياق الآية التي يستوحى منها مفاهيم مجازية تشير إلى أن الوديان هي موطن الهيام والضياع، (أ ََل ََم ت ََر أ َََّنَُهُم . وفي الإطار نفسه يكون الوادي موطنا ) 3 ( واد يََهِِيمُُونََ) ِ�ِّ ِفِي ُكُل للتشتت والاختلاف فيضرب به المثل في التباعد، يقول المثل (أنت في واد وأنا = ) الشعبي: (أنت في وادي وأنا في وادي في واد)، يحمل المثل صورة واضحة للتيه والافتراق. الوادي هنا مجاز للمسافة الرمزية والمعرفية بين الأشخاص. البنية السيميائية بسيطة: أنا/أنت، الوادي/الوادي. هذا الانفصال يُُظهر غياب الزمن المشترك والمعنى المشترك، إذ كل طرف عالق في فضائه الخاص. الدلالة أن غياب التلاقي في الأهداف

وادي شوكا في رأس الخيمة، الإمارات العربية المتحدة

. ) 4 ( والمعاني يولّّد قطيعة وتيها في التواصل

السلطة. ومضرب المثل في السخرية وذم سلوك الشخص المتواكل ويُُضرب هذا الم ََثََل لمن يعمل عملا ولا يعير عمله اهتماما سواء نجح أم فشل فهو لم يبذل جهدا في ما حصل عليه، فاِِلْْبِِعيِِر بِِعِِيْْر الش َّّيُُوْْخ ْْ، وِِالْْعصا حصل عليها مِِن الْْوََادِِي ولذا لا يبالي سواء نجح أو كبا ويأتي المثل في وصف الشخص المتواكل نفسه الذي يهمل عناء البحث عن موارد الرزق. ختاماًً: في هذه الأمثال وغيرها صورة واضحة لتجارب اجتماعية مركبة، وفهما عميقا للطبيعة التي شكّّلت نمط حياة الشعب الإماراتي، فالوديان والسيول صارت رموزا سيميائية لدلالات عديدة، وتحمل حكمة ذات أبعاد متعددة، تأتّّى لنا أن نذكر طرفا من دلالاتها في هذا المقال باحثة إماراتية الهوامش والمصادر: . الجابري، محمد عابد، مدخل إلى علم الرموز: قراءة في الفكر العربي، بيروت، 1 . 47 . ص 1991 مركز دراسات الوحدة العربية، . سيف، حصة، تحقيق: البناء في الوديان.. مآس وخسائرمتكررة للأهالي، صحيفة 2 https://www.alkhaleej.ae : م. الرابط 2019 أكتوبر 19 «الخليج»، بتأريخ: .) 225 . سورة الشعراء، آية ( 3 . المسدي، عبد السلام، قضايا المصطلح في الفكر العربي، تونس، دار الجنوب 4 . 112 . ص 1994 للنشر،

ولا تُُحسب خسارتها، مما يعكس موقفا من عدم الاهتمام بالأضرار التي قد تلحق بالبعير (الملك الخاص بالشيوخ)، لأن العصا نفسها غير مهمة ولا خسران حقيقي ي ُُحسب لخسارتها وفقدها. هذا المثل يمزج بين رموز اجتماعية وطبيعية: البعير رمز للثروة والهيبة، والعصا رمز للحماية والانضباط. ارتباط العصا بالوادي يشير إلى أن أدوات السيطرة تأتي من الطبيعة المحلية. البنية السيميائية هنا تقوم على التماثل بين المكان/ السلطة. الدلالة: إن الرمزية الزمنية للوادي تمنح شرعية للأدوات البسيطة، فالتيه لا يواجه إلا بالارتباط بالبيئة التي تمنح عناصر القوة. كما يحمل المثل معنى إضافيا للسخرية والتقليل من شأن الضرر أو الخسارة، وكأن فعل الإيذاء أو التعدي يتم بلا وع ْْي ودون اكتراث بالنتائج، والفاعل لا يشعربأي تحمل للمسؤولية أوالتبعات، لأن «العصا من الوادي» ليست ذات قيمة، والبعير «بعيرالشيوخ» هوملك قوي وثابت. بالتالي، المثل يبرز فلسفة ساخرة حول عدم المبالاة بالآثار، ويشيرإلى تفريق بين المالك القوي والوسيلة الضعيفة أو المتواضعة، مع شعور ضمني بأن هذا التفاوت يجعل الأفعال بلا وزن أو تأثير حقيقي على

ا � هذا المثل من أكثر الأمثال وضوح

في تصوير التباين

والاختلاف بين شخصين أو جماعتين. دلالته أن الطرفين متباعدان في التفكير أو التوجه، وكأن كل واحد يسكن واديا منعزلا عن الآخر. مضربه في الخلافات الشديدة التي لا مجال فيها للالتقاء. فلسفة المثل تؤكد أن الانفصال الذهني أو العاطفي قد يكون أعمق من الانفصال المكاني، وأن الحوار لا يجدي إذا كان كل طرف «في وادٍٍ». كما يُُضرب المََثََل: في انتقاد العلاقة بين متحاورين ليس بينهما لقاء في الموقف والرأي، وإقرار بغياب الإصغاء والانتباه والتفاهم بينهما، كما يُُضرب للتفريق بين رأيين إذ استخدم في صيغة المخاطب. وفي عدم المبالاة والاستهانة بحقوق وممتلكات الآخر يأتي المثل الشعبي ليوظف الوادي بوصفه جزءا من مساحة، يقول المثل الشعبي: (البعيربعيرالشيوخ والعصا من الوادي)، ويشير المثل إلى أن الإبل ملك للنخبة أو السلطة، بينما «العصا من الوادي» تعبر عن أنها أداة بسيطة، وربما ضعيفة أو زهيدة الثمن، مؤداة بلا جهد يُُذكر. الصورة المجازية هنا تصور شخصا يضرب بعي ار مملوكا للشيوخ بعصا ليست ثمينة

33

32

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

سيميائية الوادي والسيل في المثل الشعبي الإماراتي

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online