Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

رمزية السدود والأودية في الثقافة الإماراتية

السدود ورحلة الأنهار العتيقة

صديق محمد جوهر بعد أن عبرت السدود عصورا من النسيان، ها هي تعود لتفرض حضورها في قلب الجغرافيا والسياسة، وتستعيد دورها العتيق في رسم ملامح المصير. وفي الآونة الأخيرة، غدا «سد النهضة» الإثيوبي حديث الألسنة ومثارالجدل، بين من يراه بارقة ً يهدد التوازن. أما النيل، هذا النهر الخالد، فلا يزال ينشد قصيدته القديمة، جاريا من منابع بعيدة، من �ً أمل، ومن يخشاه ظلّا مستنقعات ومرتفعات حبلى بالمطروالحلم. يسلك طريقه بين الأحضان الأفريقية، يحمل الحياة للزراعة، ويغني للطمي وللطاقة المنبعثة من الماء. وعندما يلتقي النيل الأزرق بالنيل الأبيض، هناك، في قبلة أبدية عند الخرطوم، يتعانقان كما لو كان الزمن قد توقف ليشهد ولادة نهر واحد، يجري حاملا ذاكرة القرى، وحنين الحقول، وتاريخ الشعوب... متجها صوب الشمال، حيث مصر تنتظره كما تنتظر أم غائبها العائد من البعيد. في تسعينيات القرن التاسع عشر، وبينما كان الزمن يطوي آخر صفحات قرنه، تنبّّأ تشرشل بأن نهر النيل، ذلك المعجزة ميل، ولن يبلغ مياهه البحر الأبيض كما اعتاد. رأى أن 3000 الزرقاء، لن يظل أبدا قاد ار على نشر ابتساماته عبر مسافة عنفوانه سيتلاشى، وأن شواطئه ستنكسرعلى وقع الزمن. وعندما شي ّّد الإنجليزسد أسوان، لم يكن البناء مجرد مشروع مائي، بل كان إعلان وجود وهيمنة، تماما كما كان إنقاذ معبد إيزيس - الذي استخف به تشرشل - فعل مقاومة للجمال والتاريخ. تُُلي ، فك ّوّن بحيرة ناصر، وغي ّّرالجغرافيا والبشر، إذ أعاد توطين 1970 )، حتى جاء السد العالي في عام 1933 و 1912 السد مرتين ( ألف نوبي في عمق الجنوب. ومع تمويل الاتحاد السوفييتي له بعد أزمة السويس، لم يعد السد مجرد حاجزللماء، 150 أكثر من بل رمز سياسي ضخم لميزان القوى بين قطبي الحرب الباردة.

نهر كولورادو في غلين كانيون، أريزونا، الولايات المتحدة الأمريكية

رمزية السدود اقترنت السدود - منذ نشأتها حتى اليوم - بفكرة القوة، إذ لا تقتصر على توليد الكهرباء فحسب، بل تُُعد تجسيدا فعليا للهيمنة والسيطرة، حتى على قوى الطبيعة ذاتها. كما أنها تمثل ركيزة أساسية في دعم الصناعة، وضمان استمراريتها وازدهارها. وقد عب ّّر الزعيم السوفييتي التاريخي فلاديمير لينين : «إن قوة الاتحاد 1920 عن هذا المعنى بدقة عندما قال في عام

السوفييتي تكمن في الكهرباء التي تنتشر في كل أرجائه». وعلى الجانب الآخر من العالم، أسهمت السدود التي أُُنشئت على نهر كولورادو - وعلى رأسها سد هوفر، الذي أمر ببنائه الرئيسان الأمريكيان هيربرت هوفروفرانكلين روزفلت - في تلبية احتياجات مدينة لوس أنجلوس من المياه والطاقة. ولم تقتصر أهميته على ذلك، بل أدت إلى نشوء منطقة سكنية محيطة به، تحوّّلت لاحقا إلى مدينة «بولدر»، التي بدأت في الأصل كمنشأة عامل من عمال بناء السدود. ويُُعد سد 5000 لإيواء ما يقارب هوفر، في هذا السياق، رم از حيا لقدرة الإنسان - والأمريكيين تحديدا - على ترويض قوى الطبيعة وتسخيرها لخدمة حاجاته. فقد استطاعوا كبح جماح نهر كولورادو العظيم، الذي كان يفيض من حين إلى آخر، ناشار موجات من الهياج والدمار، لكن السد جعله أكثر استقرا ارًً، مطو ّّعا ًً، ومفيدا للمجتمع. وقد أُُنيط تصميم الهيكل الإنشائي للسد بمهندسين متخصصين، في حين أُُسند الجانب الجمالي للمشروع إلى المهندس المعماري «جوردون كوفمان» والنحات «أوسكار هانسين»، فخرج المشروع تحفة تجمع بين البنية الصلبة والشكل الجمالي الراقي. ويمثل سد هوفر في بعده الرمزي والمعماري نموذجا لعصرالحداثة، ويعكس روح «الصفقة الجديدة» - تلك الحزمة من البرامج الاقتصادية والاجتماعية التي أقرتها حكومة ، خلال 1936 و 1933 الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي الولاية الأولى للرئيس فرانكلين روزفلت، في استجابة مباشرة لفترة الكساد الكبير في أواخر عشرينيات القرن العشرين.

السد العالي بأسوان إلى نهر النيل عند بحيرة ناصر، مصر

سد هوفر على نهركولورادو

47

46

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

السدود ورحلة الأنهار العتيقة

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online