إضاءة
لكل شيء في الوجود باب ومدخل، البحر المتسع له أبواب، والصحراء المترامية بها أبواب، يهيئ لك أن هذا الفراغ والاتساع الشاسع لأبواب له تحكم السيطرة والانزلاق والتحرك في مواكبه اللا نهائية. الصحراء التي تشك ّّل مساحات على مدى البصر كلما توغلت لا نهاية تلاقيك ولا منتهى يصدك، كيف يمكن الحركة فيها، من أين تبدأ لتنتهي، ومن أين تعرف حدودها وحدود حركتك، الباب هنا باب ربما مجازي، أي كيف تنجو من شساعة الرمل، وكيف تعبر المسافات وأنت تدرك مسيرك. في الزمن الأول لم نكن نعرف الأجهزة والآلات كي نضبط حركتنا، وكان العابر لا بد له من دليل يأخذ بيده إلى أبواب النجاة يعرف المسالك والدروب والاتجاهات، ويمتلك الشجاعة لمواجهة المجهول، ولديه الدربة على السير ليلا ونها ار ًً، ويمتلك خبرة البحث عن باب النجاة وباب الوصول إلى المبتغى. ماذا لو قامت قيامة الرمل وهاجت الرياح وانطلقت صواريخ الرمال المتحركة تحمل الموت والهلاك والظلمة في عزالشمس الحارقة، لتغلق أبواب الصحراء على العابرين والقاطنين والباحثين عن الحركة في مبتغاها. العالمون العارفون المتيقنون من سمت الرمال ولون الحياة وشكل الدروب وأين هي، وخريطة الحركة في هذا المدى المخيف الصعب، لا يذكرهم التاريخ ولا نعرفهم قدر معرفتنا بالرحالة الذين حاولوا العبور من الصحراء لأسباب كثيرة كالبحث عن الثروات، أو اكتشاف البترول، أو البحث عن الناس هنا وقيمهم، ورسم خرائط للأمكنة لأغراضهم. عشرات الرحالة جاسوا الديار قديماًً، وقبل أن تتشكل ملامح المدن في الزمن القديم منذ قرن وما يزيد، بل ربما إلى قرون خلت جاء بعضهم بأسبابه كلها، وليس هذا في نطاق بحثنا الآن.. هؤلاء الذين قدموا إلى منطقة الخليج ودول الجوار والشرق كله كانت تعوزهم بوصلة الحركة والدليل في دروب البلدان المتعلقة على نفسها.. والصحراء متشابهة المسالك، أبواب الصحراء: أدلاّّء النور في لج ّّة الرمال
من أشهر الرحالة الذين هبطوا أرضنا وبلادنا وصحراءنا، وأصدر أحد أهم الكتب عنا «الرمال العربية»، هذا الرجل عبـََر الربع الخالي مرات عدة بالإبل دون خوف من ضياع أو تيه، أو خوفا من الرمال المتحركة، الربع الخالي متاهة الصحراء الغامضة والواسعة والممتدة بلا أفق، وما كان له هذا الإنجاز دون الإنسان المنسي وراء الإنجاز الذي عاين الدروب، وأشار إلى المسالك والأبواب، أبواب الحركة الأفقية والعرضية أبواب النجاة الخالصة من العطش والجوع والتيه وأقسى ظروف لصحراء قاحلة متحركة الرمال مترامية الأبعاد، لا زرع ولا نبت ولا ماء، من هؤلاء الأبطال المخفيين والذين تناستهم الكتابات أو أن يكونوا في مرآة المعرفة، والذين هم أصحاب الأبواب الصحراوية ومالكي مفاتيحها ليكونوا هم شارة النجاة وأدلاء الحركة لمن يجوب الفيافي، ومن هذه النماذج الواعية بأبواب الصحراء خاصة الربع الحالي، وهم كانوا سبب نجاح ابن لندن في عبوره الصحراء لمرات عدة اثنان هما «ابن كبينة» و«ابن غبيشة» كما ذكر مبارك بن لندن، ماذا عنهما؟ ماذا نعرف؟ وماذا ترك لنا ابن لندن عنهما؟ مثل هؤلاء سنجدهم في ركب كل رحالة ورحلة، بل في طليعتها لأنهم هم أبواب الصحراء
أرضنا وعن طباعنا وعن قيمنا. لم يهتم أحد بالبحث في أبواب الصحراء المغلقة أمام هؤلاء، ومن فتحها، ومن أناروا دربهم.. إنه مجهول الصحراء الذي تناسته كل الكتابات وغضت الطرف عنه. هذا الدليل الذي قاد هذا الرحالة في غيابات الصحراء كان منا، والعجيب أنه كان يعي جغرافية الوطن وحدود الرمل وأبواب الصحراء التي تقود إلى الجهات كلها، من هنا باب إلى قبيلة ما، وهذا آخر يقود إلى بئر ماء لا بد من الوصول إليه لضمان الحياة، وهذا باب يصلنا إلى درب البحر أو مدينة ساحلية. هذا المنسي هو الأهم الأعلى في حركة الرحالة في دروب صحراواتنا المتسعة، لأنهم كانوا يملكون شمعة النور في ظلام الصحراء نحو الحياة والأهداف وفي النهار هم أبطال النجاة أيضا حين تغور الصحراء وتنقلب إلى جهنم، حطبها الرمال التي تتحرك لتغطي أفق النظر وتتيه فيها وبها معالم الحياة ويحيق الخطر بالبشر، والأنعام. من يعرف طريقه في لجة هذه الثورة الرملية وظلاماتها التي يقال عنها في الأساطير بحر الظلمات، أنهم أناس بشر طيبون عاشوا في الصحراء، وعرفوا دروبها وأبوابها، وإلى أين تقود وتتجه بالقادم أوالعابرأوالقاصد أوالمار. (يلفريد ثيسيجر) وهو = ) الرحالة المعروف (مبارك بن لندن
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
من يعرف أن يفك شيفرة الحركة، ومن يعرف الدروب والأبواب لقفر واسع ولا متناهي متشابه المدى لا نهائي ومتشابك مع الغياب والضياع. هؤلاء الرحالة كانوا جهلة بأبواب الصحراء، وكانوا لا يعرفون من أين يبدأ درب البداية وإلى أين منتهاه، ولذلك استعانوا بأهل المكان وسكان الصحراء الذين خبروا جغرافيتها وطبوغرافيتها وتاريخها وحركة الرياح والرمال ودوران الشمس فيها عبر الفصول، وأين مناقب الحركة والناس والمياه، هؤلاء كانوا العيون والعون والأمان للرحالة، الأجانب الكثر الذين كتبوا عنا وعن أرضنا وتاريخنا وعاداتنا لكنهم نسوا أن يكتبوا عن تلك العيون التي فتحت لهم أبواب العبور وطرق النجاة وأبواب الرحمة ساعة اشتداد الطوز أوتحرك الرمال في بحرالظلمات العاتي. هؤلاء من هم؟ كيف عرفوا وخبروا؟ كيف تحملوا؟ ترى فيما كانوا يفكرون وهم يساندون ويساعدون الغريب الراحل عبر ديارهم، كيف عايشوهم، وكيف أنسوا إليهم، وكيف تعاملوا معهم؟ إنهم باختصار أدلاء من نور حملوا شمعة تنير درب الغرباء، ولكنهم تاهوا في صحراء الحياة عنا، لأن هؤلاء الأغراب الرحالة لم يعطونا معلومات عنهم كي نخلدهم، وكي نحتفي بهم كأبطال للرمال وقهر الوقت والقيظ والصحراء، وعارفي أبواب الصحراء وأبواب النجاة. عشرات الكتب أخرجها هؤلاء وعشرات أخرى كتبت عن هؤلاء الرحالة وعن نواياهم وما اكتشفوه أوأضافوه، أوقالوه عنا وعن
51 2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد
50
أبواب الصحراء: أدلاء النور في لجة الرمال
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online