Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

موروث مختلف

نحو قراءة للموروث الشعبي «الإماراتي» من منظور مختلف

التراث بوصفه «نص ّّا اجتماعياًً» وفق المنظور الأنثروبولوجي، لا ي ُُقارب التراث كمقتنيات جامدة، بل كـمنظومة دلالية تتشكّّل فيها اللغة والطقوس والرموز والأمثال والشعر بوصفها شيفرة ثقافية. فالنصوص التراثية مرآة لعصرها: فالمفردات لا تسمّّي الأشياء فحسب، بل تؤط ّّر الخبرة (اللباس، الأطعمة، الح ِِرََف، تقنيات العيش في الصحراء والساحل). إن القيمة البحثية لا تكمن في الشرح المعجمي وحده، بل في تجميع القرائن عبر نصوص متباعدة لصياغة صورة نسقيّّة للمجتمع (قيمه، سلوكه الجمعي، توازناته بين البادية والحاضرة). الأمثال الشعبية: دستور شفهي اجتماعي الأمثال الشعبية ليست حِِكما عابرة، بل خلاصة ذكاء جمعي تراكمت عبر الأجيال، تنظ ّّم العلاقات وتوج ّّه الفعل الاجتماعي. فقولهم «اللي ما يعرف الصقر يشويه» يتخطّّى التنبيه إلى ضرورة المعرفة قبل العمل ليكرّّس قيمة التخص ّّص والخبرة في بيئة تعتمد الصيد والترحال؛ كما يشي بمكانة الصقر في هوية الفارس ورمزية المهارة. ومثال آخر على دستورية الأمثال كمساعد للعرف المجتمعي قولهم «على دق الطبل ترقص من الاندفاع فحسب، بل يكشف ا � المينونة» ليس تحذير

موزة الكعبي ل الأنثروبولوجي Ԇ أوي Ԇ ن الوصفي إلى الت Ԇ من التدوي

يحوز التراث الإنساني عموماًً، والإماراتي خصوصاًً، اهتماما متزايدا في الحقول الأكاديمية والسياسات الثقافية على حد سواء. غير أن معظم الجهود المتداولة ظل ّّت، رغم ضرورتها، أسيرة الوصف السطحي الذي يشرح ظاهر النصوص ويؤرشفها، أكثر مما يغوص في أنساقها الداخلية: للوصول إلى ما تحمله من رموز ثقافية، وعلاقات ٍ تشك ّّل عبرالقرون. تطمح هذه المقالة إلى اقتراح منهج قراءة بديل يتجاوز الحفظ إلى �ٍّ اجتماعية، ومخيال جمعي الفهم التأويلي، ويعامل النصوص التراثية بوصفها وثائق أنثروبولوجية حيّّة تكشف طرائق عيش الناس، وأنماط تفكيرهم، وقيمهم.

حساسية تقويمية تجاه الرقص في سياقات بعينها؛ لذا ميّّز الوعي الشعبي بين «العرضة» و«اليولة» بوصفهما فنّّا جماعيا منظ ّّما لا «رقصاًً» فرديّّا مطلقاًً. هنا نلمح نسق الوقار والرزانة في المخيال المحلي. وقولهم «الطول طول نخلة، والعقل عقل صخلة» صورة بلاغية تُُفاضل بين الظاهر والجوهر، وتُُدخل النبات والحيوان (النخلة/الصخلة) في معجم الأخلاق؛ ما يدل على تشابك البيئة (النخيل/الرعي) مع أنساق الحكم على الناس. مثال آخر «اللي ما يزرع الدبّّاس ما ياخذ بنات الناس» ربط بين القدرة الاقتصادية/العملية (زراعة النخيل، الاعتماد على النفس) والأهلية الاجتماعية للزواج؛ فتبدو الكفاءة والمعاش للرجولة وتحمّّل المسؤولية. فالأمثال تعمل كقطع ا � معيار «بازل»؛ كل مثل يكمّّل الآخر ليصنع خريطة نسقيّّة لقيم المعرفة، والوقار، والكفاءة، والاعتماد على الذات. الشعر والأدب - سجل الهوية وذاكرة المعاش لم يكن الشعر (النبطي خاصة) ترفا إنشائياًً؛ بل دفتر أحوال يوثّّق علاقة الإنسان بالبيئة (الصحراء/الساحل)، ويدير توتّّر الندرة والكرم، العطش والصبر، التنقّّل والانتماء. ابن ظاهر نموذجا ًً: من وظيفة الشاهد إلى وظيفة الشيفرة. • سوسيولوجيا التلقّّي والنخبة يقول ابن ظاهر عن نظمه متفاخ ارًً:

73

72

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

نحو قراءة للموروث الشعبي «الإماراتي» من منظور مختلف

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online