Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

أبواب أبوظبي

الأبواب في أبوظبي: رحلة بين الحرفة والرمز والهوية

الأبواب والفن والرمز لم يكن الباب مجرد فكرة رمزية؛ بل هو واقع حياتي حيث ارتبط بصناعة عريقة هي النجارة، التي ظهرت منذ آلاف السنين لتلبي حاجات الإنسان في بناء بيته وتأمين معيشته. وقد طوّّر الحرفيون عبر العصور تصاميم وأساليب متنوّّعة للأبواب، تراوحت بين البساطة الوظيفية والثراء الجمالي، فكانت الأبواب يُُزََّن وتُُطع ََّم بالمعادن أو النقوش، لتشك ّّل لوحات فنية تُُنحت وت تحفظ روح المكان وتُُجس ّّد القيم التي يحملها. وهكذا بات الباب عنصار يجمع بين الفن والحرفة، بين الحاجة والرمز، ليغدو شاهدا صامتا على تطوّّر المجتمعات، وتغيّّر أنماط حياتها، وتشك ّّل فضاءاتها التي لا تكتمل إلا بوجود هذا العنصر الذي ظل ّّ، ولا يزال، عنوانا للدخول إلى عالم الإنسان وخصوصيته. في مسار طويل يمتد من بدايات العمران البشري إلى عمارة المدن المعاصرة، فلو تتبعنا التاريخ لرأينا أن الأبواب شهدت تطوّّرا تدريجيا يعكس تغيّّـر حاجات الإنسان ووعيه وثقافته. فمنذ العصور القديمة، كانت النجارة - بوصفها إحدى أعرق الحرف المرتبطة بصناعة الأبواب - تنمو وتتطور بفعل التراكم المعرفي والخبرة والاحتكاك بين المجتمعات. ومع ازدياد تعقّّد أنماط الحياة، لم تعد الأبواب مجرّّد عناصر وظيفية للحماية

مريم سلطان المزروعي يُُع ََد الباب واحدا من أقدم العناصر المعمارية التي رافقت الإنسان في مسيرته العمرانية، إذ لم يكن يوما مجرد فتحة في الجدار، بل بوابة تعبرمنها الدلالات الثقافية والاجتماعية والرمزية. فمنذ أن بدأ الإنسان بتشييد المساكن الأولى، ظهر الباب باعتباره الحارس الأول للخصوصية والحامي لحرمة المكان، ووسيلة لتنظيم الدخول والخروج، وترتيب العلاقة بين الداخل الآمن والخارج المفتوح على العالم. وتكشف الدراسات المعمارية والأنثروبولوجية أن الأبواب تحمل في تفاصيلها البسيطة سجلا طويلا من الرموز، فهي تُُعبّّر عن الهوية، وتشير إلى مكانة الساكنين، وتعكس درجة انفتاحهم أو تحفّّظهم. وقد تناول عالم الاجتماع أنتوني جيدنز فكرة الحدود المكانية ودورها في تشكيل النّّسق الاجتماعي، معتب ار أن العناصر البنائية - ومن بينها الأبواب - ليست جامدة، بل تشارك في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي من خلال تحديد ما يُُسمح بعبوره وما يُُمنع. كما يرى أموس رابوبورت أن الأبواب تحمل رسالة صامتة لكنها بليغة، فهي واجهة تُُظهر ذوق أصحابها وثقافتهم، وتمثّّل وسيطا بين الحياة الخاصة والعالم الخارجي.

تحوّّلا جوهريا في صناعة الأبواب، بإدخال الحديد والصلب والزجاج المقوّّى، وصولا إلى المواد المركّّبة المعاصرة. وقد فتح ذلك آفاقا جديدة لتطويرالأبواب من حيث المتانة والخفة والجمال، وأتاح إمكانات واسعة للتصميم المعماري. أبوظبي: أبواب وحرفة في البيئات الخليجية، ومنها إمارة أبوظبي، اكتسبت صناعة الأبواب طابعا خاصا يرتبط ببيئة المكان وثقافته. فقد اعتمد النجارون في مراحل مبكرة على الأخشاب المحلية، مستفيدين من وفرتها وقدرتهم على تشكيلها بما يتناسب مع احتياجات البيت التقليدي. فكان النجار يقضي ساعات طويلة في اختيار الخشب، متلمسا لونه ورائحته وصلابته، عالما بأن جودة الباب تُُقاس باتساق أجزائه وانسجامها. وعلى الرغم من أن جذوع النخيل كانت محدودة الاستخدام في صناعة الأبواب بسبب ثقلها وعدم إمكانية نشرها إلى شرائح رقيقة، فإنها استُُخدمت لصناعة الأبواب الضخمة، خاصة في الحصون والقلاع، لما

وضبط الدخول والخروج، بل تحوّّلت إلى مكوّّنات جمالية ذات طابع رمزي، تستجيب لذائقة الإنسان الفطرية في التزيين وإضفاء المعنى على الأشياء التي تحيط به. وتُُظهر الشواهد الأثرية أن أقدم الأبواب في الحضارات القديمة كانت تُُصنع من كت ََل خشبية ثقيلة أومن الحجر، كما في بعض النماذج الرافدية التي ضمّّت أبوابا حجرية دوّّارة تُُعد من أوائل الابتكارات في هذا المجال. وفي مصر القديمة ع ُُرفت الأبواب الخشبية ذات المفصلات البسيطة، وكانت تُُنقش أحيانا برسوم تعكس مكانة صاحب الدارأو طبيعة المبنى. أم ّّا في الحضارة الإسلامية، فقد بلغت صناعة الأبواب ذروة فنية، إذ ازدهرت تقنيات الحفر على الخشب، وتنوّّعت الزخارف الهندسية والنباتية، وبرزت المسامير الزخرفية بوصفها جزءا من الهوية الجمالية للباب. ولم تكن أبواب المدن الإسلامية مجرد عناصر دفاعية، بل تحوّّلت إلى معالم بصرية مهيبة تستقبل الداخلين وتُُعبّّر عن قوة المدينة وذائقتها، كما يبدو جليا في أبواب القاهرة والقدس ودمشق. ومع العصر الحديث، حملت الثورة الصناعية معها

77

76

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

الأبواب في أبوظبي: رحلة بين الحرفة والرمز والهوية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online