Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

أبواب أبوظبي

على فضاء جديد من الابتكار. وهكذا، فإن الأبواب - منذ أن صنع الإنسان أول شريحة خشبية ليحمي بها مأواه وحتى أبواب الأبراج الحديثة في أبوظبي وسائر المدن المعاصرة - تظل شاهدا على التقاء الحاجة الوظيفية بالتاريخ والثقافة والجمال. إنها نقطة عبور وحد فاصل، وهي قصة كاملة عن الإنسان ووعيه وتنظيمه لعالمه أيضاًً، والتي تفصح عن الروابط التي يشكّّلها بين المكان والذات والذاكرة

الانفتاح والاحتمالات. وفي الثقافة العربية، ظل «فتح الباب» رم از للضيافة والكرم، ودليلا على استعداد أهل الدار لاستقبال الضيف بترحاب. والباب مؤش ّّر اجتماعي أيضاًً؛ فشكله ولونه وطريقة فتحه يمكن أن تكشف عن طبيعة ساكنيه، كما تُُظهر دراسات أنثروبولوجية حديثة، إذ تُُعد الأبواب - بحسب سياقها ومادتها ونمط زخرفتها - مرآة للطبقة الاجتماعية وذوق سكان المبنى. وتختلف الأبواب في أحجامها ووظائفها وفق نوع المبنى، فباب البيت يختلف عن باب المسجد أو السوق أو المبنى العسكري، ولكل منها دلالاته وعمقه الثقافي. في لغة ا � وفي العصر الراهن، أصبح الباب عنصر التصميم المعماري، سواء من حيث نسبه، أومادته، أوزخرفته، أو علاقته بالواجهة. ا � أساسي ومع تطور تقنيات المدن الذكية، تحوّّل الباب من عنصر ميكانيكي إلى واجهة تفاعلية فهو جزء من منظومة أمنية رقمية، تعتمد الأقفال الإلكترونية وأجهزة الاستشعار، مما غيّّر علاقة الإنسان ببابه وجعل هذا العنصر العريق ينفتح أبواب العصر الحديث

باحثة من الإمارات

المصادر والمراجع: • الوايل، سعيد بن عبد الله، الأبواب والنقوش الخشبية التقليدية: في عمارة المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، (السعودية: دارة الملك عبد .) 1431 العزيز، • الوايل، سعيد بن عبد الله، أبواب دبي التاريخية وزخارفها، (دبي: النسرللنسر، .) 1 ، ط 2021 • الحسيني، ناصر، فن الزخرفة على الأبواب الخشبية العربية. (بيروت، دار .) 1998 النهضة العربية، .) 2008 • الشادي، صالح، الجنادرية: فكر وتراث وهوية، (الأردن، دار مجدلاوي، • بوليه، هندريك، ديموغ، جان، الدليل العمراني لدولة الإمارات العربية المتحدة، .) 2023 (أبوظبي، كلمة،

واضحاًً. كما تميّّزت أبواب الحصون والساحات العامة بحجمها الواسع المصمََّم لصد الرياح وحماية الداخل من العوامل الطبيعية، وهو ما نراه في أبواب قلعة المقطع وحصن الحصن، التي بقيت شاهدة على دور الباب كعنصر بنائي ودفاعي في آن واحد. الأبواب والرمز الثقافي لا يقف حضور الباب عند حدوده المادية، بل يتجاوزه إلى آفاق رمزية وثقافية أوسع. ففي الفكر الإنساني والأدب والفلسفة، يُُمثّّل الباب رم از للعبور والتحوّّل واكتشاف المجهول. وقد أشار غاستون باشلار إلى أن الأبواب في المخيال الإنساني تُُجس ّّد لحظة الانتقال بين عالمين: عالم الألفة والسكون، وعالم

تمتاز به من صلابة. أم ّّا الأعمال الزخرفية الدقيقة فقد تطل ّّبت أنواعا أخرى من الأخشاب مثل السدر، المعروف بقابليته للحفر ولونه المائل إلى الحمرة، وخشب الأثل المفض ّّل لقوته واعتدال أليافه، والذي استُُخدم كثي ار في «صاير» الباب وإطاراته. وقد عُُرفت في أبوظبي خلال القرنين الماضيين عائلات امتهنت تجارة الأخشاب واستيرادها من الهند وشرق أفريقيا، وأسهم ذلك في تطور الحرفة محليا ًً، إذ مك ََّن توفر الأخشاب المتنوعة من إنتاج أبواب أكثر متانة وجمالاًً، ومنحت العمارة المحلية عناصر زخرفية مميزة. وتتزين أبواب البيوت التقليدية في أبواب «العرائش» والبيوت الساحلية - ا � أبوظبي - خصوص بزخارف بسيطة لكنها معبرة، تعتمد على التكوينات الهندسية والمسامير المعدنية الكبيرة التي تعطي الباب حضورا بصريا

79

78

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

الأبواب في أبوظبي: رحلة بين الحرفة والرمز والهوية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online