Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

الاستدامة المعمارية

المفهوم والمعمار القََلعة في اللغة، ما يبْْنََى منها على شََعََف الجبال الممْْتََنِِعةِِ. وقد أقلََعوا بهذه البلاد قِِلاعاًً: أي بََنََوها. والمقْْلََعة من الس ّّفن: "، أما الحصن فهو المكان ) 1 ( العظيمة تش ََبََّه بالقلع من الجبال الح ََص ِِين: من قولهم مََنع، وأََح ْْص ََنََه صاحبه وح ََص ََّنه، والح ِِص ْْن: يوص ََل إِِلى مََا فِِي ج ََوْْفِِه، وََالْْج ََمْْع حصون ٌٌ، ا كل مََوْْض ِِع ح ََص ِِين لَا وح ِِص ْْن ح ََص ِِين ٌٌ: مِِن الح ََصانة. وح َََّصَْنْت الْْق ََرْْيََة إِِذا بنيت حولََها، ". والفرق بين القلعة والحصن أن القلعة هي ) 2 (ّّ وتََح َََّصََن العََدو المبنى الحصين الممتنع على جبل أو تل مرتفع عن الأرض، والحصن كل موضع حصين ممتنع لا يوصل إلى جوفه، فالقلعة تعني الحصن من حيث المبدأ والقصد، وإن تميزت منه بخصائص ومواصفات بعينها، مع اختلاف المفسرين . ) 3 ( والمهندسين في تحديد أيهما أكبر وأشمل اعتمد البناؤون على مواد محلية كالحجر الرملي والمرجان في السواحل، والحجر الجيري والطين في المناطق الجبلية والبرية، مما يعكس انسجام العمارة مع البيئة. وتميزت القلاع بأسوارعالية وأبراج استراتيجية، وشك ّّلت خطوط دفاع حصينة أسهمت في حماية الحضارات وترسيخ الاستقرار عبر العصور. مواقع استراتيجية ووظائف حضارية بفضل موقعها الجغرافي وامتدادها المتنوع، شيدت الإمارات منظومة دفاعية متكاملة من القلاع والحصون والأبراج

للحماية والمراقبة. وارتبطت هذه المنشآت تاريخيا بحضارات ماجان ودلمون وأم النار وبعلاقات تجارية وثقافية أسهمت في تشكيل هويتها منذ عصور ما قبل التاريخ، كما ع ُُرفت سواحلها بـ«ساحل الصلح» في القرن التاسع عشر عقب معاهدات مع القوى الأوروبية. شهدت هذه القلاع أحداثا مفصلية، إذ تصدت للغزوات البرتغالية والعثمانية، وتحوّّلت من حصون دفاعية إلى مراكز حضارية تحفظ الهوية وتؤمن المجتمعات، وأضحت اليوم ذاكرة حية لمسيرة الصمود والانتماء، ومواقع سياحية وثقافية تبرز براعة الأجداد المعمارية. تنوعت وظائفها ما بين ، ومراكز للسلطة والإدارة، ومواقع للمراقبة ) 5 ( الدفاع والحماية . إضافة إلى دورها الاجتماعي والثقافي كملاجئ ) 6 ( وتأمين الحدود ومراكز تجمع، والاقتصادي في حماية الطرق والأسواق وجمع الضرائب، وصولا إلى دورها السياحي الراهن في تعزيز الهوية الوطنية. استدامة معمارية وتنمية تجلّّت استدامة القلاع في الإمارات من خلال قدرتها على التكيّّف مع البيئة المحلية وتلبية احتياجات الإنسان عبر قرون، إذ اعتمدت في بنائها على مواد طبيعية متوافرة كالطين والحجر وسعف النخيل؛ ما أتاح لها انسجاما حراريا مع المناخ الصحراوي الحاد؛ حيث تؤم ّّن برودة نسبية في النهار واعتدالا في الليل. كما تكشف أنظمة التهوية المتمثلة في الفتحات

قلاع وحصون الإمارات: نموذج للاستدامة والمعمار الحضاري

فاطمة الشحي لم تكن العمارة يوما مجرد حجارة ت ُُرص أو جدران ت ُُشي ّّد، بل كانت انعكاسا لعلاقة الإنسان العميقة بمكانه ووجوده. فمنذ أن خطا أولى خطواته على هذه الأرض، سعى ليجعل من المكان ملاذا يحميه ويمنحه الاستقرار والأمان. ومع تطور العصور، ارتقت هذه الحاجة الفطرية إلى إبداع معماري يجمع بين البُُعد الوظيفي والدلالة الحضارية. وتتجلى القلاع والحصون في الإمارات بوصفها ذروة هذا التطور؛ فهي ليست مجرد مبان دفاعية، بل شواهد ناطقة على عبقرية الإنسان في توظيف الموارد، ومهارته في مواجهة التحديات، وحرصه على صون هويته وأرضه. تعكس القلاع والحصون في الإمارات مفهوم الاستدامة المعمارية، حيث ش ُُيّّدت بمواد محلية وأساليب ذكية في التصميم والتشييد، مكّّنتها من الصمود أمام عوامل الطبيعة والزمن مع الحفاظ على وظيفتها وجمالها. وهذه الشواهد التاريخية تمنح اليوم الأجيال درسا بليغا في كيفية أن تكون العمارة جس ار بين الماضي والحاضر والمستقبل.

قلعة الرفيصة أعلى سد خورفكان الرفيصة

العين - قلعة الجاهلي

81

80

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

قلاع وحصون الإمارات: نموذج للاستدامة والمعمار الحضاري

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online