فلسفة الزي
اللباس والترابط الاجتماعي طالما مثلت الأمثال رافدا حقيقيا في الدعوة إلى قيمة الترابط والانسجام العام بين أفراد المجتمع ونبذ ما يخالف هذه القيم، وهذا ما نلمسه في المثل الشعبي القائل: (حلاة الثوب رقعته منه وفيه)، ويُُضرب المثل في معالجة المشاكل باتخاذ حلول قريبة، أو في إصلاح علاقة بين اثنين بتوسط الأقرب فالأقرب. أو في الإنسان لا يجد مناص ار في الأزمات إلا من هو قريب منه في الرحم أو النسب. ويحمل المثل تصوي ار بديعاًً، ويشير إلى فلسفة الجمال الحقيقي، إذ لا يكون في استيراد الغريب، فالمثل يعلي من شأن الأصالة والانسجام، ويحث على البقاء ضمن دائرة الانتماء والهوية المشتركة. ويأتي في السياق ذاته المثل الشعبي الذي يحدد فئات الناس وانسجام كل فئة أو طائفة أو نوعية مع ما يماثلها، فيقول: (كل ثوب له لباس وكل ناس ولهم ناس)، وفي المثل حث على فهم أنماط التنوع والتباين في العلاقات. فليس كل أحد يُُناسب الآخر، لا في الصداقة ولا في الشراكة ولا في الزواج. لكل شخص نسيج يُُلائمه، تماما كما يُُلائم الثوب جسد صاحبه. ومثله المثل الشعبي القائل: (ما يلبس ثيابنا إلا أحبابنا)،
والمعنى القريب للمثل أن من انتسب إلينا أخذ عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا وصار منا، ومضربه في أنه لن يلائم المرء إلا من كان من طينته ومن بيئته. كما يعني أن الأشياء القيمة والمهمة لا ت ُُعطى إلا للأشخاص المقربين والأحباء. يرمز إلى الثقة والتقدير المتبادل بين الأفراد. أما المثل الشعبي القائل: (الثوب ما ينشق بين عاقل ومجنون) ، فيحمل دلالة سامية تتعلق بالحكمة والسلوك، مفادها أن ) 5 ( العاقل لا ي ُُفسد العلاقة بالاختلاف، حتى لوكان الآخرغيرمتزن. فالثوب هنا رمزللعلاقة الاجتماعية، ووحدة الجماعة، و«شقه» دليل على القطيعة. يطالب هذا المثل العاقل بالتحكم في ردود أفعاله، والتسامح، والتحلّّي بالحكمة في مواجهة الجنون، والتمايزدون صدام. هومثل يدعوإلى ضبط النفس، ويؤمن بأن الوعي وحده كفيل بصون العلاقات من التمزق. وفي ذات السياق النفسي والاجتماعي، يأتي مثل (قحفية على راسين ما تركب) ليعالج قضية السلطة والانقسام. فالقحفية، وهي غطاء رأس واحد، لا يتسع لرأسين. ويضرب المثل عند الحديث عن تعدد القيادات أو تضارب المصالح، سواء في البيت أو العمل أو الحكم. هو تحذير من الفوضى حين يتعدد المتحكمون، ويُُشير إلى استحالة التناغم في غياب التفرّّد والوضوح. إن هذا المثل يلتقي مع أمثال عربية وعالمية، مثل «لا يجتمع سيفان في غمد» أو «مركب فيها ربانين تغرق»، وكلها تؤكد على أن الوحدة لا تحتمل ازدواج القيادة. ومن الناحية الاجتماعية الصرفة، يُُعبّّر المثل الشعبي: (لا ، عن إدراك للواقع، وقبول بالتفاوت ) 6 ( تطلب من الحافي نعال) الطبقي أو الاقتصادي، وعدم إرهاق من لا يقتدر على الشيء، وفيه سخرية وتعريض، وظاهره يعني أنه لا يمكن أن يُُطلب من الفقير ما لا يملكه، ولا ت ُُحم ّّل الناس ما لا يملكون. وهذا يعكس نزعة إنسانية تستبطن الرفق بالفقراء، وتحذ ّّر من إلقاء اللوم على من لا حيلة له. ويضرب في الأساس لمن يطلب المساعدة والعون من شخص لا يستطيع أن يحقق له ما يريد. ، ) 7 ( وقريبا منه المثل الشعبي القائل: (مِِد ريولِِك على قََد لْْحافك) ومعنى المثل الظاهر أن على المرء أن يمد قد ََم ََي ْْه بمقدار ط ُُول لِِحََافِِه. والمقصود أن يُُنفِِق على قدر استطاعته. (وريولك) رجليك) ينطق أهل الإمارات الجيم = بمعنى رجولك (أرجلك ياء وهي ظاهرة لهجية معروفة تدخل ضمن الإبدال الصوتي، ويتم إطلاق المثل على الشخص الذي ليس لديه ما يكفي من
القيم ونقد السلوكيات المذمومة لدى الأفراد والمجتمع، إضافة إلى ما تحمله من أبعاد نفسية واجتماعية وفكرية. إن دراسة هذه الأمثال تكشف عن فلسفة عميقة في التعامل مع الذات والآخر، وتبرز كيف أن الثوب واللباس في الوعي الشعبي الإماراتي يحملان دلالات تتجاوز المفهوم الظاهر إلى عمق فلسفي ودلالي جميل أكاديمية من الإمارات الهوامش والمراجع: . العسكري، أبو هلال، جمهرة الأمثال، ضبطه وكتب هوامشه ونسقه: أحمد 1 . 10 ، ص 1 ، ج 1988 عبد السلام، بيروت، دار الكتب العلمية، . عطية، عاطف، الم ََث ََل الشعبي العربي المصدروالمآل، مجلة الثقافة الشعبية، 2 . 53 البحرين، العدد . الزبيدي، عبد الحكيم عبد الله، التناص في الأمثال الشعبية الإماراتية، 3 . 236 ، ص 2022 أبوظبي، نادي تراث الإمارات، عاماًً، إمارة 75 . من الذاكرة الجمعية، مقابلة شفوية مع عوشة حمد المهيري، 4 . 7/6/2018 دبي الحمرية . تمت المقابلة في 69 . من الذاكرة الجمعية، مقابلة شفوية مع آمنة جابر المذكور الطنيجي، 5 . 9/8/2016 عاماًً، إمارة رأس الخيمة. المعيريض تمت المقابلة في 69 . من الذاكرة الجمعية، مقابلة شفوية مع آمنة جابر المذكور الطنيجي، 6 . 9/8/2016 عاماًً، إمارة رأس الخيمة. المعيريض تمت المقابلة في عاماًً، إمارة 64 . من الذاكرة الجمعية، مقابلة شفوية مع ناعمة حمد المهيري، 7 . 5/1/2019 رأس الخيمة، الظيت. تمت المقابلة في
المال للشراء أو يريد أن يتباهى فيطلق عليه المثل من باب المعاتبة والشفقة، وقد يستخدم هذا المثل في الشكوى، أي عندما يشكو الإنسان قلة الدخل والحيلة في تنميته. ومضربه: في النُُّصح بأن تكون مصاريف الإنسان بمقدار دخله ودعوة وتوجيه إلى المحافظة على المال وعدم إهداره على مصاريف لا تنفع وقد تضر. ونرى بعض الأمثال، تجعل من الملبس رمزية للتوارث القيمي ولولاء للقريب ومكانته، والاهتمام به، فيقول المثل الشعبي: (إن شاخ ابن عمك شل نعاله)، ومعنى المثل أن القريب منك إذََا نال درجة فهي عز لك فحافظ على عزته وكرامته تعتز وتسمو، ولربما نالك الخير منه فاقترب منه وتودد إليه، شل اِِنعاله كناية عن التودد له وخدمته وإجلاله. ويضرب المثل في أن التعاون أفضل من الانفرادية. خلاصة الأمر: هذه طائفة من الأمثال الشعبية الإماراتية، المتعلقة بالملابس أوردنا طائفة منها، ووقفنا على ما تتضمنه من دلالات وإمكانيات توظيفها في الشؤون الحياتية لتعزيز
93
92
2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد
اللباس في الأمثال الشعبية الإماراتية فلسفتها وإيحاءاتها الدلالية
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online