Copy of Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

رمزية السدود والأودية في الثقافة الإماراتية

سيميائية الوادي والسيل في المثل الشعبي الإماراتي

وادي الغور، سد البراق، الشارقة، ورأس الخيمة عند شروق الشمس

فالسيل (رمز القوة الطبيعية والزمن المتدفق) سيجرف كل ما يعترض طريقه، ومن الحكمة تجنب مواجهة ما لا يُُقاوََم.. وفي صيغة أخرى يقول المثل الشعبي: (لا تزرع في الوادي ولا تأمن البادي)، هنا يتقابل الوادي بوصفه مكانا غير مأمون لزراعة مستقرة، مع البادي رمز الإنسان المتقلب أو غير الموثوق به. البنية السيميائية قائمة على إسقاط الطبيعة على الإنسان: الوادي/البادي، الزراعة/الثقة. فالزمن في الوادي متقلب بسبب السيول والتيه، كما أن البادي متغيرفي وعوده. المعنى أن الاستقرار المادي أو المعنوي لا يكون في بيئة مضطربة. التحذير من الخطورة الكامنة في الوادي والبادي. «لا تزرع في الوادي» تنبه إلى عدم الاستثمار أو التعويل على أماكن قد تتعرض للفيضانات فجأة، مما يخدم مبدأ الحذر والذكاء البيئي. «ولا تأمن البادي» تضيف بعدا أوسع وهو عدم الثقة في الخارج أو في من لا ينتمي إلى البيئة القريبة، ربما لارتباط البادي بالأشياء غيرالمستقرة أو التهديدات المحتملة. هكذا يتوسع المعنى ليشمل ضرورة الانتباه لكل من البيئة . ) 2 ( والطرف الآخرفي التحفيزعلى الحذروالبقاء في دائرة الأمان والناس دائما ما تتخذ من حواف الوادي سكناًً، لقربها من المياه والأشجار والحياة، ولذلك مطلوب المحافظة على

بعد تناوله وجبة الغداء في ظل غافة، وبعد استيقاظه لاحظ أن «الجرذيّّة» تحمل أطفالها من «الهور» إلى أعلى «النقيان»، ففطن لأمرها! نادى الرجل أبناءه وجيرانه وقال: «يا عيالي لي بيته على يارح البطحا يشل بيته وحلاله، تراه الليلة بتيري البطحا»، أي من كان منكم يسكن في طريق السيل فلينتقل عنه ويبعد حلاله من الإبل والماشية، اتهمه بعضهم بالجنون قائلين: «أنت كنت راقد وتحلم، وين بتينا البطحا في هذا القيظ وهذا الحر، لا غيم ولا سحاب». قيل بعد أن صلوا العشاء أتاهم السيل وجرف كل ما كان في طريقه؛ إلا من كان قد خرج. قيل على لسان الوادي: (إن خذت سنين وأبطيت .. لا تبني في دربي بيت)، فالمثل تأكيد للمعنى السابق لكنه يضيف بُُعدا زمنيا أوضح: من يغيب سنوات ثم يعود متأخ ار لا يحق له أن يحتل الطريق أويفرض وجوده. المثل يستعمل رمزية البيت بوصفه علامة على الاستقرار، لكن حين يكون هذا البيت في درب السيل (أي مجرى الوادي)، فإنه يتحول إلى خطرمحدق، البنية السيميائية هنا تقوم على الثنائية: الاستقرار/الخطر، حيث يوحي البيت عادة بالأمان، بينما السيل رمز للزمن الجارف والتيه الذي لا يرحم. الرسالة النهائية: إن تأخرك أو انتظارك الطويل لا يبرر اختيار مكان خاطئ للاستقرار،

تؤدي إلى خسارة كبيرة. ففي المثل الشعبي القائل: (بطيت بطيت لا تبني في دربي بيت)، نجد هنا دعوة إلى الانسجام مع الطبيعة وفهم حدود الإنسان، ويشير إلى أن من يبطئ في القدوم أو يطيل الغياب ينبغي ألا يعيق أو يقف حجر عثرة في طريق غيره ببناء أو تملك. يحيل المثل إلى رمزية الزمن من خلال لفظة بطيت أي تأخرت، حيث يكرّّرها النص لإبراز الثقل والإطالة الزمنية. البيت رمز للاستقرار، لكن حضوره في «دربي» يشير إلى عرقلة المسار أو إعاقة التيه. البنية السيميائية هنا قائمة على التضاد: البطء/المسير، البيت/ الطريق. الدلالة النهائية: إن من يتأخرأو يعرقل ينبغي ألا يعيق مجرى حياة الآخرين ببناء حاجز في طريقهم. ودلالته أن الزمن لا ينتظر المتقاعسين، وأن الفرص إن لم تُُغتنم في وقتها فاتت. فلسفة المثل هنا تحث على المبادرة وعدم المماطلة، وتكشف عن قيمة عملية في الثقافة الشعبية الإماراتية، حيث يعتبرون أن الحياة مسير لا يتوقف، وأن من يتأخر يخسر مكانه. وهذا المثل يتناقله الأهالي، وعرف منذ بداية خليقتهم وتصالحهم مع الطبيعة، ويعني الابتعاد بمبانيهم عن الوديان ومساربها ومساراتها قدر الإمكان، كونهم لا يتحملون مواجهتها، وله قصة، تقول: (يُُحكى أن رجلا نام

مريم الزعابي تختزن الأمثال الشعبية في تراكيبها البسيطة دلالات رمزية عميقة، ومن أبرز هذه الرموز في الموروث الإماراتي الوادي والسيل، حيث يتجاوزان حدود الطبيعة، ليشكلا إشارات سيميائية على الزمن والتيه والتحولات المفاجئة في مسار الحياة، فالوادي، بامتداده وانحداره، يوحي بالفضاء الذي يحتضن الحركة والتجوال، بينما يرمز السيل إلى القوة الجارفة التي تعيد تشكيل المسارات وتفرض قانونها الخاص. ومن ثمّّ، فإن قراءة المثل الشعبي في ضوء هذين الرمزين تتيح الكشف عن رؤية المجتمع للعلاقة بين . )1 ( الإنسان والزمن والمصير السيول رمز العبور والزمن طالما كانت الوديان الكبيرة هادئة طول السنين والأجيال الممتدة، لكنها قد تتحول إلى مأساة وكارثة، إذ في استطاعة السيل أن يعيد تشكيل الأرض ويدمرما ي ُُبنى عليها من مساكن أو بيوت، مهما طال الزمن أو تباطأ السيل. فالطبيعة أقوى من الإنسان، وأن المحاولة لتجاهل قدراتها أو الاستهانة بها قد

31

30

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

سيميائية الوادي والسيل في المثل الشعبي الإماراتي

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online