Copy of Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

رمزية السدود والأودية في الثقافة الإماراتية

لم تتركوا منازلكم سنفتح القنوات المائية ليغرق الجميع». منذ أوائل القرن العشرين، صدرت تشريعات وسياسات بيئية عدة تؤكد على ضرورة دراسة مشاريع السدود بدقة، وفحص تأثيراتها البيئية والاجتماعية، مع تحديد المسؤوليات قبل بدء الإنشاء. على سبيل المثال، توقفت محاولات بناء سد ضخم كان سيغمر وادي غراند في ولاية أريزونا الأمريكية خلال خمسينيات القرن الماضي، بعد معارضة قوية من جماعات حماية البيئة واللوبيات المعنية بالمحميات الطبيعية. وقد أسهم هذا الإدراك المتأخر لتبعات بناء السدود، إلى جانب تجارب مشاريع أخرى على نهر كولورادو، في تبنّّي إجراءات ترحيبية من العديد من الجهات. لوتمت دراسة بناء السدود بشكل أفضل منذ البداية، لما كانت لتلعب السدود اليوم هذا الدور الحيوي في مواجهة التغير المناخي، وتوفير الطاقة المتجددة، وحماية المناطق السكنية قرب الأنهار من فيضانات الأعاصير والرياح العاتية. كما تسهم في تخزين المياه لاستخدامها في الري خلال مواسم الجفاف، ما يجعلها عناصر أساسية في استدامة الحياة والبيئة

سد سردار ساروفار، الواقع على نهر نارمادا

وادي نهر كولورادو

سدود بين الخلاص والمخاوف إن بناء السدود ليس ظاهرة حديثة، فقد شيد أقدم سد عام قبل الميلاد شمال العاصمة 3000 معروف منذ نحو عمّّان في الأردن. ومع ذلك، لم يشهد توسعا واسع النطاق إلا مع الثورة الصناعية، حين تصدرت بريطانيا العالم في هذا المجال، ومن هناك انطلقت فكرة بناء السدود وانتشرت في أنحاء العالم. في بداياتها، استُُخدمت السدود لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل آلات صناعة النسيج وطواحين الحبوب في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بهدف سد احتياجات المدن الصناعية البريطانية من الغذاء ومتطلبات الحياة اليومية. أما سد عملاق منتشرة حول العالم، 45,000 اليوم، فثمة أكثر من يتركز معظمها في الصين، الهند، أوروبا، والولايات المتحدة، سد. 20,000 وتضم الصين وحدها نحو لقد حضرت صورة السد في الآداب والفنون كرمز للخلاص والعمل الجماعي، إلا أن هذه الصورة ما لبثت أن تقابلت مع صورة مضادة: السد كقوة مقلقة تبعث الرعب وتُُهدّّد التوازن الطبيعي. فبينما احتفى بعضهم بقدرة الإنسان على ترويض الطبيعة، وقف آخرون مدافعين عن البيئة ورافضين لاضطراب النظم الديموغرافية الناتج عن تهجير السكان نحو مناطق عمرانية جديدة. ومن المفارقات اللافتة للانتباه أن الأنهار التي تُُحيي بعض المجتمعات قد تكون سببا في دمار

تعويضا أو لم يُُعاد توطينهم بشكل ملائم. وبعد اكتمال بناء السدود، تتطلب صيانتها وتشغيلها الحذر والاهتمام، وإلا قد تتحول إلى مصدر للموت والدمار. فسد «فايونت» في إيطاليا، ، يُُعد من أعلى السدود عالمياًً، لكنه 1961 الذي شُُيد عام ، تسبب انهيارأرضي 1983 اليوم مائلا ومنعزلا في واديه. في عام باندفاع مياه السد نحو القرى الواقعة أسفله، جارفا مئات القرى وموقعا العديد من الضحايا. كذلك، لم تصمم حواجز الفيضانات والسدود الواقية في نيو أوريلينز، لاحتواء آثار ، مما أدى إلى خسائر بشرية 2005 إعصار كاترينا العنيف عام ومادية هائلة وأثار جدلا واسعا حول هندسة السدود وطبيعة الحضارة الأمريكية نفسها. تحول السدود تمر السدود اليوم بمنعطف حاسم، فبينما شهدت الولايات سداًً 56 المتحدة إزالة عدد غيرمسبوق من السدود، حيث أ ُُخرج ، تواصل دول العالم النامي بناء سدود 2005 من الخدمة عام جديدة بوتيرة متسارعة. ففي ولاية هيماتشال براديش الهندية وحدها، تم تقديم أربعين مشروعا للسدود الهيدروليكية عام . ومع ذلك، أصبحت طرق بناء السدود محور جدل واسع 2006 واحتجاجات بيئية متزايدة، فلم يعد مقبولا تكرار تصريحات مثل تلك التي أطلقها وزير المالية الهندي موراجي ديساي عام ، حين هدد المزارعين المتضررين من بناء سد قائلاًً: «إذا 1961

مجتمعات أخرى. فالسد، بين وجهه المنقذ ومخاطره الكامنة، يظل أداة تحمل في طياتها الأمل والتهديد معاًً.

أكاديمي وناقد - خبير الترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية

تحديات السدود تنتشرادعاءات بأن بناء السدود قد يؤدي إلى زوال المجتمعات، لكن كثيار من هذه المزاعم تُُستخدم أحيانا كوسيلة لعرقلة مشاريع السدود. فعلى سبيل المثال، تعرضت قبائل الأديفاسي، السكان الأصليون في منطقة مهاراشترا الهندية، لمخاطر جراء إنشاء سد «سادرار ساروفار» على نهر «نرمادا»، حيث تم تهجيرهم وإعادة توطينهم في مجتمعات بديلة. ورغم تبنّّي البنك الدولي لمشروعات الري القائمة على الطاقة الهيدروليكية، سحب دعمه المالي بسبب عدم رضاه عن برامج إعادة التوطين ومقترحات الحكومة الهندية. يخشى كثيرون من اندثار ثقافة هذه القبائل، وتبدد معتقداتها وروحها، كما أشارت الكاتبة الهندية الحائزة على جائزة بوكر أرونداتي روي، التي اعتبرت أن أكبر آثار بناء السدود تكمن في 33 فقدان ثقافة الأديفاسي. وتشير تقارير الخبراء إلى أن نحو مليون هندي تم تهجيرهم خلال خمسين عاما بسبب إقامة ) التي تأسست عام WCD( السدود. أما الهيئة العالمية للسدود للتعامل مع هذه القضايا، فتقدر عدد المتضررين حول 1998 مليون نسمة، منهم كثيرون لم يتلقوا 80 و 40 العالم ما بين

المصادر والمراجع: 1. Margaret Ziolkowski. Mega-Dams in World Literature: Literary Responses to Twentieth-Century Dam Building. University of Wyoming Press, 2024. 2. Steven Hawley. Cracked: The Future of Dams in a Hot, Chaotic World. Patagonia, 2023. 3. Cecilia Tortajada. Impact of Large Dams: Global Assessment. Springer, 2012 4. Ann Weil. World's Most Amazing Dams. Raintree Hardbacks 2011 5. Christopher Sneddon. Concrete Revolution: Large Dams, Cold War Geopolitics, and the US Bureau of Reclamation. University of Chicago Press, 2015. 6. Allen F. Isaacman and Barbara S. Isaacman. Dams, Displacement, and the Delusion of Development: Cahora Bassa and Its Legacies in Mozambique (1965-2007). Ohio University Press, 2013 7. Diane E Boyer and Robert H. Webb. Damming Grand Canyon: The 1923 USGS Colorado River Expedition. Utah State University Press, 2007. 8. Jacob Blanc. Before the Flood: The Itaipu Dam and the Visibility of Rural Brazil. Duke University Press, 2019. 9. Bruce Shoemaker and William Robichaud eds. Dead in the Water: Global Lessons from the World Bank's Model Hydropower Project in Laos. University of Wisconsin Press, 2019.

49

48

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

السدود ورحلة الأنهار العتيقة

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online