وجهة سفر
ذاكرة التراث وروح التاريخ طشقند..
ضياء الدين الحفناوي في قلب آسيا الوسطى بين خيوط الشمس الذهبية وأطياف التاريخ الممتدة تقف طشقند شامخة تمتزج فيها الأصالة بالحداثة والقصص بالواقع والألوان بالنكهات هذه المدينة ليست مجرد مكان ي ُُزار، بل هي تجربة حسية وروحية حيث يلمس الزائرعبق الماضي ويعيش جمال الحاضر. بدأ تاريخ مدينة طشقند العاصمة الحالية لأوزبكستان منذ أكثر من ألفي عام وذ ُُكرت لأول مرة في مصادر مكتوبة وموثقة ع ُُثر عليها في الصين وكانت ت ُُسمى مدينة (شي او تشزيمي) ويرتبط اسمها الآخر بفترة القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، وهو (شاش-تيبا)، وفي أوائل العصور الوسطى كانت المدينة تُُسمى (بينكنت) ومع ذلك منذ القرن الحادي عشر ع ُُرفت المدينة باسمها الحالي (طشقند) الذي يعني (مدينة حجرية) من كلمة (توش) الأوزبكية التي تعني حجر. لم تشهد أي مدينة في آسيا الوسطى تحولا سريعا كطشقند، وت ُُعتبرطشقند إلى جانب بخارى وسمرقند من أقدم مدن الشرق ومع ذلك لم يُُذكر اسم «طشقند» في المصادر المكتوبة القديمة على الرغم من أن المؤلفين الشرقيين والغربيين وصفوا المنطقة بأكملها. استخدم الباحثون المصادرالمكتوبة لإعادة بناء تاريخ طشقند منذ القرن السادس قبل الميلاد، حيث تشير سجلات اليونانيين والرومان إلى قبائل استوطنت بعيدا عن البحرالأبيض المتوسط، فيما سجلت المصادرالصينية نهر(سير داريا) باسم (يوشا) أو «اللؤلؤة»، وواحة طشقند القديمة وسكانها المعروفون بقبائل الطور أو بلاد توران، ضمن أراضي دولة (كانغيوي). وظهرت أول مستوطنة حضرية في القرنين الرابع والخامس الميلادي، وع ُُثر على مرايا برونزية وعملات معدنية من تلك الفترة. وفي القرن السادس الميلادي سيطرت الخاقانية التركية على تشاتشا، ثم انقسمت إلى دويلات صغيرة في القرن السابع، قبل أن يحكم العرب طشقند ويعيدوا تسميتها «بينكنت»، وينشروا الإسلام فيها فتزدهر المدينة.
مبنى شرق ومتحف الدولة لتاريخ أوزبكستان في طشقند
حديقة نصب الاستقلال التذكاري في طشقند، عاصمة أوزبكستان
وفي أوائل القرن الثالث عشرالميلادي استولى جنكيزخان على طشقند وتلا ذلك فترة من التراجع، ومع ذلك وبسبب تدفق السكان الجدد كانت طشقند في نمو وبالفعل في القرن الرابع عشرفتحها الأمير(تيمورلنك) وتحو ّّلت إلى حصن رئيسي للدولة التيمورية في النصف الثاني من القرن السادس عشروأصبحت م وخلال هذه 1809 طشقند جزءا من (خانية بخارى) وفي عام الفترة ازدهرت المدينة وأصبحت أكبر مركز تجاري مع روسيا. استولت القوات الروسية على طشقند شأنها 1865 في عام شأن العديد من المناطق الأخرى في آسيا الوسطى وبدأ المستوطنون الروس في بناء ما يُُسمى بالمدينة الجديدة وقد فصلت قناة أنكور بين المدينتين القديمة والجديدة فكانت المدينة القديمة مأهولة بشكل رئيسي بالحرفيين والتجار، بينما أصبحت المدينة الجديدة، التي بُُنيت بين الحدائق والحقول مركاز للصناعة وفي الوقت نفسه أصبحت طشقند المدينة الرئيسية للحاكمية العامة لتركستان. مدينة الصمود ، أُُعلنت طشقند عاصمة 1917 وبعد ثورة أكتوبرفي روسيا عام لجمهورية تركستان السوفييتية الاشتراكية المستقلة، وفي عام ومع ظهور جمهورية أوزبكستان السوفييتية الاشتراكية 1924 أُُعيدت 1930 انتقلت صفة العاصمة إلى سمرقند ولكن في عام إلى طشقند وخلال (الحرب العالمية الثانية) أصبحت طشقند أحد مراكزالإجلاء وبدأت الصناعات الدفاعية في المدينة تنمو بسرعة كبيرة علاوة على ذلك تم إجلاء المسارح واستوديوهات السينما وكبار الشخصيات العلمية والثقافية الروسية إلى
هناك. وقد أث ّّـركل ذلك لاحقا على تطور المدينة فخلال الحرب وفرت المدينة المأوى لمئات الآلاف من الناس ووفرت لهم الطعام والسكن فكان لقبها طشقند - مدينة الخبز. ، دمّّر زلزال قوي معظم المدينة وهبّّت بقية 1966 وفي عام مدن الاتحاد السوفييتي لإنقاذها وبعد سنوات عدة أُُعيد ترميم ظلت طشقند عاصمة 1991 المدينة، وبعد نيلها الاستقلال عام جمهورية أوزبكستان ومازالت حتى الآن ويزيد عدد سكانها على مليوني نسمة وهي من أكبر مدن آسيا الوسطى، وطشقند من ا � مدينة التناقضات بحق فهناك يمكنك أن ترى مزيج الشرق والغرب في الأسواق والمتاجرالكبرى والمحلات التجارية والمباني الشاهقة والعديد من التشكيلات الأخرى الغريبة. فقد مثلت النقلة الحضرية لمدينة طشقند تغيار كبيار فأصبحت المدينة الحضرية منخفضة الكثافة السكانية وتتميز بشبكة من الحدائق والقنوات وتنتشر فيها العمارة العامة والجماعية المصممة للتجمّّعات الحضرية في تجربة مثالية، فالمباني في طشقند تبرز فكرة عمرانية محددة من القرن العشرين سعت إلى ربط المدينة القديمة بالجديدة عبر شبكة حديثة منظمة، وتداخلت المساحات الخضراء مع شبكة العمران كحاجز حضري وجمالي بين جانبي المدينة ما خلق مساحات عامة لقضاء أوقات فراغ الناس وشك ّّل أداة للتخفيف من آثار تغير المناخ. ومن أبرز الأمثلة على ذلك متحف الدولة لتاريخ أوزبكستان، 1970 واكتمل بناؤه في عام 1969 وقد تم تصميمه في عام وكان يسمى بمتحف لينين سابقا ويحتوي جناح عرض احتفى في البداية بالذكرى المئوية لميلاد (فلاديمير لينين) قائد
مسجد خاست إمام، أوزبكستان، طشقند
53
52
2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد
طشقند.. ذاكرة التراث وروح التاريخ
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online