ارتياد الآفاق
القلوب، إذ استقبلوا استقبال العائدين بالسلامة، بالحفاوة والتكريم، لتُُختتم الرحلة كما بدأت: بالشوق والإيمان، والذكرى التي خ ُُلّّدت في السطور. من الرحلة: يقول المؤلف مفتتحاًً: لما كان إلى شهر شوال من شهور سنة إحدى عشرة بعد اثنتي عشرة مئة مع حصول عوائق متصلة وعلائق ليس بمنفصلة صادف مهلة حققتها وفرصة توهمتها، هممت على العزم لعام الحجة لأداء الحجة، وترددت في سلوك أية محجة عليها حجة، وقلت: سل سبيل الصواب يفيده الجواب فإنما شفاء العي السؤال، وموجب هذه المحارة وتكرير الاستخارة إنها تشعبت الأخبارحين شوشت، حتى إنه لم يتمك ّّن أحد من طريق الحجاز المعتادة بل عزم بعض الحجاج من طريق الساحل وستأتي إليهم إن شاء الله إشارة، وبعضهم الآخر من طريق البحر ونحن منهم بعد الاختبار وما ندم من اســتخار: تعزمــــــــــــــــــــــــت حتــــــــــــــــــــــــى لا أراع مــــــــــــــــــــــــــــــــن النـــــــــــــــــــــــــوى وإن غــــــــــــــــــــــــــــــــاب إخــــــــــــــــــــــــــــــــوان علــــــــــــــــــــــــى كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــرام وقد جعلــــــــــــــــــــــــت نفســــــــي على اليــــــــأس تنطــــــــــوى وعينــــــــــــــــي علــــــــى هجــــــــــــــــــــــــر الصديــــــــــــــــق تنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــام ق: Ԇ في الطري «... اتفق لنا خروج جزيرة كمران، وقد ذكرنا أنه كان المركوب ثلث ليلة الخميس وصبيحة ذلك اليوم بعد الشروق، وصلنا
تحديد يوم عرفة في ذلك العام. ثم انتقل إلى المدينة المنورة، فوصف المسجد النبوي والقبة الخضراء، وأثنى على عناية الدولة العثمانية بالحرم، وذكرالولاة التي ) 1 ( الذين ولاّّهم السلطان، ورعايتهم للحرمين والجرايات كانت تصرف للعلماء. إلى المدينة النبوية والعودة: بعد إتمام مناسك الحج، شد الرحالة يحيى بن مطه ّّرالرحال إلى ذي الحجة على ظهور الجمال 19 المدينة المنوّّرة، فخرج يوم أربعة عشر ) 3 ( ثلاثة قروش، والشبرية ) 2 ( بأجرة معلومة (الشقدف قرشاًً، والجمل بقرش واحد تقريباًً، والشبرية بنصف ذلك). هـ، فوصفها بأنها مدينة أنيقة 1212 دخل المدينة في غرة محرم صغيرة، طرقها ممهّّدة، وبجوار الحرم عين ماء تُُعرف بـ العين تصب قنواتها في المصلى. ) 4 ( الزرقاء لم يفته أن يصف المجتمع، فأشاد بطيبة أهل المدينة وحسن عشرتهم، حتى شبّّه خصالهم بعرف المسك. ثم أفاض في ذكر وصاحبيه ﷺ المسجد النبوي والقبة الخضراء، وقبر النبي أبي بكر وعمر، والروضة المباركة. وبعد أيام من المقام خرج محرم، ومنها ركب البحر عائداًً. 14 قاصدا جدة، فوصلها يوم لكن السفينة واجهت رياحا وأمواجا عاتية أوشكت أن تغرق الركاب، حتى أيقنوا بالهلاك، غير أن الله سل ّّم. واصلوا السير برّّا حتى بلغوا ) 5 ( وبعد وصولهم إلى ميناء اللحية هـ، وهناك انفجرت الفرحة في 1212 صفر 10 صنعاء يوم
، وهذا من تيسير الله سبحانه، لأنه وقع قطع الغبّّة ) 6 ( كمران المسماة ببطن جابر… ويحكى أنه قد يحصل البقاء فيه أياماًً… وأهله في مشقة ويشكون الجور ومعاشهم يجلبون الماء والتمر إلى بندر اللحية… وهو في سعة فوق يوم عرضا وطولا ًً، وبيوتهم عشاش، وفيه ماء حلو في حفائر معمورة فوق القامة، وفيه محل عجيب». «والمدينة أنيقة غير أنها حقيرة، وطرقاتها مصلولة، والعين حنفية، وتمر ) 7 ( الزرقاء تجري في جانب الحرم قد جعلت بزابيز من محال كثيرة حتى إنها تمرمن المماشي أيضا ًً. وأصلها من غربي مسجد قباء تجري إلى المصلى، وعليها قبة يخرج الماء منها». في الختام: رحلة يحيى بن مطه ّّرلا ت ُُقرأ كمسارجغرافي فحسب، بل كوثيقة ثقافية تنقل لنا صورة عن الحج والطرق البحرية والبرية في زمنها، وتفتح نافذة على أحوال المدن والمجتمعات، من صنعاء إلى مكة والمدينة. هي سطور كتبت على عجل، لكنها بقيت بعد قرنين من الزمان شاهدة على تجربة إيمانية وإنسانية تستحق التأمل، هي صفحة من تاريخ رحلات الحج كتبت قبل قرنين، أعيد قراءتها اليوم لا كأثر من الماضي فحسب، بل كجسر يربطنا بروح السائرين إلى مكة والمدينة. بين سطورها نسمع خفق قلوب الحجاج، وصريرالمراكب في البحر، وأنفاس القوافل في الصحراء. وما زالت الرحلة حية، كلما مد القارئ يده إلى هذا المخطوط النفيس باحث في أدب الرحلة
الهوامش: شرح المفردات: . الجرايات: الأعطيات أو المخصصات المالية التي كان يرسلها السلطان 1 العثماني للعلماء والقائمين على الحرمين. . الشقدف: هودج يُُركب على ظهر الجمل، يتّّسع لشخصين غالباًً، 2 وي ُُستخدم في السفر الطويل. . الشبرية: نوع من الهوادج أخف من الشقدف، يُُستخدم للركوب الفردي. 3 . العين الزرقاء: عين ماء مشهورة في المدينة المنورة بجوار المسجد 4 النبوي، كانت تمد الحرم بالماء عبر قنوات. . بندر اللحية: ميناء يمني قديم على البحر الأحمر، كان محطة رئيسية 5 للحجاج اليمنيين المتوجهين إلى الحجاز. . جزيرة كمران: جزيرة كبيرة في البحر الأحمر، كانت محطة مفضلة 6 للقوافل البحرية، واست ُُخدمت في فترات لاحقة كمحجر صحي للحجاج. . البزابيز: جمع «بزبوز»، وهو الصنبور أو الفو ّّهة التي يخرج منها الماء. 7 المصادر: . بلغة المرام في الرحلة إلى بيت الله الحرام وإلى المدينة النبوية، 1 تحقيق: عبد الله محمد الحبشي، حسني محمد ذياب، دار السويدي، م. 2003 أبوظبي، م. 2002 ، بيروت، 15 . الزركلي، خيرالدين، الأعلام،دارالعلم للملايين، ط 2 . الشوكاني، محمد بن علي، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن 3 السابع، دار المعرفة، بيروت، د.ت. . الحبشي، عبد الله، مصادر الفكر الإسلامي في اليمن، وزارة الإعلام 4 م. 1988 والثقافة، صنعاء، . بامطرف، محمد عبد القادر، تاريخ اليمن الفكري في العصرالحديث، 5 م. 1985 مكتبة مدبولي، القاهرة،
59
58
2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد
م من صنعاء إلى الديار المقدسة 1797 – 1796 بلغة المرام في الرحلة إلى بيت الله الحرام
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online