سرد الذاكرة
من الرمال إلى نور الحضارة أبوظبي..
خليل عيلبوني من المؤكد أن كل من وصل إلى أبوظبي بعد تولي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّب الله ثراه - مقاليد الحكم عام ، كان يعلم أن الأيام الأولى لن تكون سهلة؛ فهي طبيعة 1967 البدايات، حاملة في طياتها التحدي والمجهول. لم يكن هناك ما يوحي لك بأنك تقف في مدينة ستصبح لاحقا عاصمة لدولة عربية قوية وثرية، مدينة سيبدأ اسمها في السطوع، وتنتشر أخبارها عبر الأقطار.القادمون للعمل في هذه الإمارة الجديدة كانوا يكتبون رسائلهم إلى أهلهم في البلاد العربية، يصفون حرارة الجو اللاهبة، وغياب حياة مدنية اعتادوا عليها، وصعوبة الوصول إليها. لم تكن هناك خطوط جوية منتظمة، ولا مطار يستقبل رحلات الركاب، والطريق البري كان مقتص ار على سيارات الدفع الرباعي والشاحنات الثقيلة، التي كثي ار ما غرقت في رمال الصحراء الممتدة بين السعودية وأبوظبي، وكأن الطبيعة نفسها تختبر عزيمتهم وصبرهم. ذكريات بيت الضيافة وصلت في البداية مجموعة من المدرسين، وكان من بينهم ، إذ كان 1966 الأخ ناصر الجعبري الذي وصل في نهاية عام الشيخ زايد يولي العملية التعليمية أولوية قصوى. لاحقا تغيّّر مسارالأخ ناصروتولى مسؤولية مديرمكتب معالي الدكتور مانع العتيبة، وزير البترول والصناعة. في تلك الأيام، كان القادمون للعمل يقيمون في بيت للضيافة، ذلك البيت الذي أصبح رم از لأولئك الرواد الأوائل، وحاضنا لذكريات لا تُُنسى. وبعد فترة، تم تحويلهم إلى بيوت وشقق وفلل، تتولاها دائرة الإسكان وتوزعها وفق الرتبة الوظيفية. ومع حاجة الإمارة للخطة الخمسية الأولى ، أصبح هؤلاء 1969 التي أقرها مجلس التخطيط في عام الوافدون نواة النهضة السكانية في أبوظبي. بدأت حركة البناء تزدهر، وعبّّدت الطرق، وظهرت الشوارع لتختفي تدريجيا الطرق الرملية التي كانت بمثابة مصائد لسياراتنا، لو انحرفنا قليلا عن المسار. ومع مرور الوقت، تلاشت آثار الرمال، وبرزت مدينة
ذكريات السلامة أحتفظ في قلبي بفخر وصدق بذكريات رجال المرور في الإمارات، الذين كانت نزاهتهم علامة مضيئة، وصارت فيما بعد إرثا متوارثا يشهد له الجميع. لم يكن عندهم مجال للرشاوى، والويل لكل من تسوّّل له نفسه تقديم أي هدية، فالمخالفات تُُدفََع أمام المحكمة فقط، بعيدا عن أي محاباة. لقد عاشرت رجال المرور وعرفتهم عن قرب، فرأيتهم يحللون الحوادث بعقل هادئ وقلب عادل، يحددون المسؤول دون النظرإلى جنسيته أو مكانته، فكانوا بحق رم از للنزاهة والأخلاق. ومن هذه النزاهة وُُلدت لجنة فحص رخص القيادة، التي كانت صمام الأمان للطرق، فلا يسمح لمن لم تثبت كفاءته وسلامته بقيادة السيارة، أن يجتاز الاختبار. وكم كانت فرحة من نجح من أصدقائنا، لا تقل عن فرحة حائزعلى شهادة الدكتوراه، إذ يحتفل مع أهله وأحبائه وكأن الحياة ابتسمت له أخيارًً. أذكر صديقا ظل يجتازالامتحان سبع سنوات متتابعة، يرسب في كل مرة بسبب خطأ بسيط، لكنه لم ييأس، وعندما بلغ النجاح، بكى من الفرح، وبكينا معه، وأقمنا احتفالا يذكرنا جميعا بقيمة المثابرة والعدل. واليوم، حين أرى شوارع أبوظبي مكتظة بالسيارات، تعود بي الذاكرة إلى ذلك الزمن الجميل، إلى لجنة الامتحان التي كانت تقرر بحكمة ومنطق، وإلى رجال المرورالذين رسخوا فينا معنى المسؤولية والسلامة. وما زال اسم أبو عرب يرن في ذاكرتي، رم از لتلك الأيام التي لن تمحى أبداًً، فقد بقي الزمن الجميل حيا في قلوبنا، لا يموت إعلامي وشاعر
المدينة وكأنها تتنفس مجدداًً، وعادت الشوارع صافية، صلبة، وجاهزة لاستقبال المستقبل. في تلك اللحظات، شعرت بأن أبوظبي كانت أكثر من مجرد مدينة؛ كانت قلبا نابضا بالحياة، تعلمت أولى دروسها في الصبر، والعمل الجاد، والإبداع، لتنهض من الرمال إلى نور الحضارة. طرق النور عندما لاحظ الشيخ زايد - رحمه الله تعالى - ضيق الشوارع في ظل النمو السكاني المتسارع، لم يتردد في المبادرة؛ فأمر بتوسيع الطرق، وبناء الجسور والأنفاق لتسهيل حركة المرور، لتتحول أبوظبي، آنذاك، إلى ورشة عمل لا تهدأ، حيث كان الليل يختلط بالنهار في صخب البناء والعمران. أذكرجيدا كيف كانت المدينة بلا إشارات ضوئية، وكيف كانت الدوارات تفرض النظام في شوارعها، حيث الأسبقية لمن هو في الدوار. ومع ازدحام الحركة، بدأ تركيب الإشارات، وتحولت بعض الدوارات إلى تقاطعات منتظمة، فيما احتفظت أخرى بطابعها التقليدي، شاهدة على ولادة مدينة تتعلم المشي بخطوات ثابتة نحو الحداثة. كانت الحوادث نادرة، والقيادة فيها مدرسة للأخلاق والذوق، حيث كان رجال المرور أكثر من ضباط؛ كانوا مرشدين اجتماعيين، يذكرون السائق بابتسامة: «يا أخي حرام عليك، أهلك بانتظارك، أولادك بحاجة إليك، وحتى تعود سالما إليهم خفف من سرعتك، ففي العجلة الندامة، وفي التأني السلامة». في تلك الشوارع، تعلمنا أن الانضباط ليس قانونا فقط، بل هو فن، وأن السلامة حضارة قبل أن تكون قاعدة.
أبوظبي الجديدة، مرصوفة الشوارع، نابضة بالحياة، حاملة معها أحلام الوافدين وبذور النهضة المستقبلية.
أمطار البداية حتى مجلس التخطيط في البداية ارتكب بعض الأخطاء الناتجة عن تصور خاطئ للطقس القاسي في البلاد؛ فالأمطار كانت نادرة، ولذا عبّّدت الشوارع دون قنوات لتصريف المياه. كان المسؤولون يرددون بهدوء: «الأمطار قصيرة، حتى لو نزلت فهطولها لن يتجاور ساعة أو ساعتين، وسيجففها الجو الحار، أو يمكن شفطها بسيارات التانكرز بسهولة». لكن الطبيعة أحبّّت أن تخالف التقديرات، وعندما جاء الشتاء ، تحولت الشوارع إلى برك تتلألأ 1971 الأول في أبوظبي عام بالمياه، كأن المدينة نفسها تستحم في أمطار الخير. كانت سيارات الشفط عاجزة عن مواكبة ذلك، وشعرت حينها أن الأرض تتحدى الإنسان، وأن أبوظبي الصغيرة تبدأ اختبارصبرها وقوتها. لم يتردد الشيخ زايد - طيّّب الله ثراه - في اتخاذ قرار جريء؛ فقد حُُفرت الشوارع، ومدّّت أنابيب الصرف، وتحررت المدينة من مياه الأمطارالمتجمعة. بدا الأمرفي البداية مزعجا ًً، إذ تحولت الشوارع إلى ورش عمل، واضطررنا للجوء إلى الطرق الجانبية ورش الماء لتقليل الغبار. ومع مرور الأيام، شعرت
67
66
2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد
أبوظبي.. من الرمال إلى نور الحضارة
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online