Copy of Torath 312 Dec 2025 - Jan 2026

حكاية وهوية

كانت الحكايات العالمية مثل «سندريلا» تمثل القيم الإنسانية العامة، فإن الحكايات الإماراتية مثل «بديحه بديحو» و«أم الدويس» و«بو درياه» وغيرها من الحكايات البسيطة تمثل القيم الأخلاقية والدينية والإنسانية وتحمل قيما عميقة ترسخ في نفوس الأجيال وتجعل من سلوكياتهم طريقا آمنا بعيدا عن الانزلاق في الخطر ومتاهات الحياة، فهي تعبّّر عن خصوصية ثقافية متجذ ّّرة في الصحراء والبحر والدين والتقاليد. من هنا تأتي أهمية الحفاظ على هذا التراث الغني، بوصفه جس ار يربط الأجيال بروح الماضي، ويؤكد أن الحكاية ليست مجرد خيال، بل مرآة للواقع ومعلم للحياة باحثة إماراتية المصادر والمراجع: 22 • جريدة «الخليج»، التراث الشعبي.. جهود فردية تنتظر العمل المؤسسي، . 2018 يوليو • الغاوي، شيخة، الحكايات الشعبية بين الماضي ومؤثرات الحاضر، وكالة أنباء . 2012 أكتوبر 13 الإمارات «وام»، ، (دبي، 2 • الهنداسي، خالد سليمان بن جميع، حكايات شعبية من مدينة دبا . 2019 مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث)، • مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، موسوعة الحكايات الشعبية في دولة . 2018 الإمارات العربية المتحدة. دبي، مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، • فرج، مريم جمعة، الحكاية الشعبية في دولة الإمارات: مقارنة بين المحلية .) 2015 ، 1 والعالمية، (دبي، مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، ط • القاسمي، محمد فخر الدين، أضواء على الحكاية الشعبية، (الشارقة، معهد .) 2016 الشارقة للتراث،

الديني والأخلاقي للمجتمع الإماراتي، هنا الرمزية تعتبر عنص ار أساسيا في الحكاية الشعبية، فهي تمنح القصة عمقا دلاليا يجعلها صالحة لكل زمان. لذلك يمكن القول إن الرموز في الحكاية الشعبية الإماراتية تستمد قوتها من البيئة المحلية: فـ «البحر»: يرمز إلى الحياة والمخاطرة والرزق. و«النخلة»: تمثل الصبر والعطاء والكرم، وهي جزء من هوية الإمارات، و«الريح والعواصف»: ترمز إلى عدالة القدر أو العقاب الإلهي كما في حكاية «سلامة وبناتها»، و«الحيوانات» مثل الجمل أو الثعلب، ترمز إلى صفات إنسانية؛ فالجمل يدل على الصبر، والثعلب على المكر، والطير على الحرية. كما وتُُعد «المرأة» في كثير من الحكايات رم از مزدوجاًً: فهي في بعض القصص تمثل الخير والعطف والحكمة، كما في شخصية «الجدة الحكواتية»، وفي قصص أخرى تمثل الفتنة والخطر، كما في «أم الدويس». هذه الرموز تكشف عن توازن المجتمع الإماراتي بين الواقعية والإيمان بالغيب، بين احترام الطبيعة والخوف من تجاوز حدودها. جهود التوثيق وصون الموروث ومع التحولات الحديثة في المجتمع الإماراتي ودخول التكنولوجيا، كادت الحكايات الشعبية أن تندثر. إلا أن جهودا كبيرة بُُذلت لحفظها وتوثيقها. فقد أطلقت مؤسسات ثقافية، مثل: معهد الشارقة للتراث، ودائرة الثقافة والسياحة، وهيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، ومركزحمدان بن محمد لإحياء التراث، ووزارة الثقافة وتنمية المعرفة، وغيرها من الجهات المعتمدة، جهودا ومشروعات لجمع الحكايات وتوثيقها من أفواه الرواة وكبار السن. كما نُُشرت العديد من الكتب والدراسات التي تناولت هذا الموروث، وأُُدرجت بعض الحكايات في المناهج الدراسية والمهرجانات الوطنية، حفاظا على الهوية الثقافية للأجيال الجديدة. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الحكاية الشعبية أصبحت اليوم وسيلة فعّّالة في التربية الثقافية والتواصل بين الماضي والحاضر، إذ تنقل القيم الأصيلة في قالب قصصي ممتع. كما أن الحكاية الشعبية الإماراتية ليست مجرد حكاية تُُروى لتمضية الوقت، بل هي ذاكرة وطنية وثقافية تعبّّر عن هوية الإنسان الإماراتي وموقفه من الحياة والطبيعة والمجتمع. ومن خلال رموزها وأحداثها، تعكس الحكاية الشعبية رؤية الإماراتيين للعالم، الممزوجة بالحكمة والتجربة والإيمان. وإذا

الرموز والمقارنة السردية تشترك الحكايات الشعبية حول العالم في بنيتها السردية، إذ تبدأ غالبا بمقدمة تمهيدية، ثم عرض للأحداث، وصراع بين الخير والشر، لتنتهي بانتصار الخير. ومع ذلك، تختلف كل حكاية حسب ثقافة المجتمع الذي أنتجها، من حيث الرموز والمغزى الأخلاقي. فعند مقارنة حكاية «بديحه بديحو» الإماراتية مع الحكاية الأوروبية «سندريلا»، نلاحظ أوجه تشابه واختلاف متعددة. من حيث البنية السردية، تتشابه القصتان في العناصرالرئيسية: فتاة يتيمة مظلومة، عون خارق (قد يكون

جنّّيا أو قوة خيّّرة تساعدها لتخرج من حزنها ومن الظلم الذي تعرضت له)، ثم مكافأة في النهاية بعد معاناة. لكن من حيث الرمزية والمعنى، تختلف الدلالات ففي سندريلا، ترمز القصة إلى انتصار الحب والخير على الطبقية، وتركّّز على الجمال الخارجي كمفتاح للنجاح، بينما في «بديحه بديحو»، تتركّّز الرمزية على القيم الدينية والاجتماعية، مثل الصبر والتوكل على الله والإيمان بأن العدالة الإلهية لا تغيب. هذه المقارنة ت ُُظهرأن الحكاية الإماراتية، وإن تشابهت في الشكل مع الحكاية بالبيئة المحلية وبالمنظور ا � العالمية، إلا أنها أكثر التصاق

87

86

2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد

الحكاية الشعبية الإماراتية: من المشافهة إلى التوثيق الثقافي

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online