رحلة المعنى
العويس يستدعي في الحديث عن الجمال شيئا من قداسة المعنى، حين يرى في قربه من تلك المضيفة التي ارتسم جمالها في وجدانه كالكنيسة في قلب الراهب، ذلك أنها مهوى قلب الرهبان والملتمسين هذا الشعور الروحي، وكأنه بهذا التصوير الفني أراد أن يشير إلى ذلك المعنى الصافي لقيمة الجمال والحب المترفعين عن حسيات ما قد يكشف عنه ظاهر هذا الوصف الحسي، «فالشعر عند سلطان العويس وعند الشعراء الحقيقيين ليس لهواًً، إنه بناء القيم الجديدة التي تثري العقول ويستفيد منه السائل.. إن الشعر شأنه شأن الحب رحلة إنقاذ »، لذلك فالشاعر يدخلنا إلى معان من ) 6 ( مما يدور به الفلك نشوة الحب وتلك العاطفة السكرى في متاهات الجمال التي يقع أسيار لها في رحلته التي هي جزء من تجربته الحياتية بشكل عام، فيقول في قصيدته «ألوان الصور» التي كتبها إلى : ) 7 ( مضيفة في الطائرة من لبنان إلى دبي
رحلاته عن الجمال الذي تصفه قريحته أينما وقعت عليه عيناه، فينفعل به، عامدا إلى تدوين تلك الحالة الوجدانية العارضة، فنقرأ في قصيدته «بسمة الفجر» التي كتبها في الطائرة من كراتشي إلى دبي وصفا لمن رأى فيها بسمة الفجر، متمنيا أن يرافق تلك الوجنتين والعينين والشفتين، وكأنه تسبيه تلك
ملامح أدب الرحلات في تجربة سلطان العويس الشعرية
: ) 4 ( اللحظة العارضة التي تقع بين السماء والأرض ِِيــــــــــــــــــا بسمـــــــــة الفجـــــــــر إن القلـــــــــب منشغــــــــــــــــــــــــــــــــل
عــادل نيــل لعل من المسلمات النقدية أن أدب الرحلات ينتمي من حيث الجنس الأدبي إلى السرديات، إذ إن صاحبه ينتقل بلغته الواصفة والساردة بين مشاهد عدة في تشكيل نصه الأدبي، فتتناوب هذه الخطابات بين وصف وسرد في مسار الرحلة، حتى وإن أتى الشعر بينهما عارضاًً، إذ «يبدأ السرد مع بدء الرحلة، ويستمرإلى نهايتها، وهذه الكتابة السردية تتكون من مقاطع سردية تتخللها محطات يتوقف فيها السرد ليفسح المجال لمكونات أخرى، ليقدم معلومات ومعارف، أو ليسوق ،» ) 1 ( شعارًً، وبعد الانتهاء من هذا يعود السرد إلى جريانه ولكن إذا كان جوهر هذا النوع من الأدب يقوم على مفهوم الترحّّل الذي يعايش فيه صاحبه تجربة شعورية خلال انتقاله/ أسفاره إلى وطن غير وطنه، فإنه بهذا المعيار يكون أدب الرحلات جزءا من القصيدة العربية التي عاش فرسانها الأوائل تجارب عديدة من الترحل بين البوادي والحواضرالتي دوّّنتها قصائدهم. وقد عرفت القصيدة العربية المعاصرة لونا من ألوان الترحّّل الذي سجل عبره الشاعر تجربة شعورية يمكننا أن نؤطرها في شكل ما من أشكال أدب الرحلات، ومن بينهم الشاعر الإماراتي سلطان العويس، الذي لا يخطئ أي قارئ لإبداعه الشعري هذا المعنى المتكرر في الكثيرمن مواضع ديوانه، والذي كان حريصا على إثبات البلدان التي عايش فيها تجاربه الشعرية بين القاهرة، وبيروت، وسوريا، ولندن، وباريس، وكراتشي، وبومباي، وغيرها من الأقطارالتي تعكس ملامح هذا الأدب في شعره، والذي ش ّّكل سمة بارزة من سمات حياة الشاعروارتباط ذلك بقصائده. ومن اللافت للانتباه لدى العويس أنه كتب عددا من قصائده في الطائرة، فدوّّن فيها مشاعره الوجدانية التي رافقت تلك الرحلات، نقرأ منها مقطوعته «على جناح طائر» التي كتبها في
بالوجنتيـــــــــــــــــــــــــــن وبالعينيــــــــــــــــــــــــــــــــــــن والشفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة
ِِفهـــــــــــــــــــــــــــل تــــــــــــــــــرون لمثلــــــــــــــــــي أن يكـــــــــون لكـــــــــــــــــــــــــــم
رفيـــــــــــــــــــــــــــق دنيـــــــــا كشأن العبـــــــــد في الصفـــــــــــــــــــــــــــة وهذه المقطوعة التي كتبها، وفق ما دوّّنه في ديوانه، في الطائرة التي تقله من كراتشي إلى دبي، كتب مثلها في رحلته بين الطائرة التي تقله بين المدينتين بعد ثلاثة أشهر، أسماها «لُُولا»، يقول : ) 5 ( ٌٌفيها ِِ«لُُــــــــــــــــــولا» وأنـــــــــــــــــــــــــــت مـــــــــــــــن الفــــــــــــــــــؤاد قريبـــــــــــــــــــــــــــة ٌٌقُُـــــــــــــــــــــــــــرْْب الكنيســـــــــــــــــــــــــــة من فـــــــــؤاد الراهــــــــــــــــــــــــــــب ِِنعــــــــــــــــــم المضيفــــــــــــــــــة والحيــــــــــــــــــاة تعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاون وحديـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــث مثـــــــــــــــــــــلك نعمـــــــــــــــــــــــــــة للراكـــــــــــــــــــــــــــب
: ) 2 ( الطائرة السورية، ودوّّن عليها «إلى عبير»، يقول فيها ِِعبيــــــــــــــــــــــــــــــــــــر ُُك قــــــــــــــــــد تضـــــــــــــــــــــــــــو ّّع فــــــــــــــــــي الليالـــــــــــــــي
ًًكأنـــــــــــــــــــــــــــا فــــــــــــــــــي الربيـــــــــــــــــــــــــــع مــــــــــــــــــع الزهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور
ِِولطفُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــك آســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر منــــــــــــــــــــــــــــــــــــا قلوبــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ينــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادي بالمحبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة والســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرور
ِِفتيهــــــــــــــــــــــــــــــــــــي بالجمـــــــــــــــــــــــــــال علـــــــــــــــــــــــــــى الغوانـــــــــــــــــــــــــــي
فمـــــــــــــــــــــــــــا للبـــــــــــــــــــــــــــدر بََعـــــــــــــــــــــــــــد ََك مــــــــــــــــــن نظيــــــــــــــــــــــــــــــــــر ويقول في مقطوعة له كتبها في مضيفة مغربية على متن طائرة : ) 3 ( ًًمن أبوظبي إلى الدار البيضاء تتكلميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن المغربيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة لهجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة عربيــــــــــــــــــــــــــــــــــــة لكنهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا لا تفهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم فدعـــــــــــــــــــــــــــي عيونـــــــــــــــــــــــــــك ترجمـــــــــــــــــــــــــــان عروبتــــــــــــــــــي لغـــــــــــــــــــــــــــة العيــــــــــــــــــــــــــــــــــــون أرق منـــــــــــــــــــــــــــك وأرحـــــــــــــــــــــــــــم وواضح في هذه المقطوعات أنها تأتي في صيغة مخاطب تغلب عليها اللغة الوجدانية الواصفة، وكأن الشاعر يبحث في جميع
95
94 ملامح أدب الرحلات في تجربة سلطان العويس الشعرية
2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online