أسرار الأهرام
المعابد الهرمية قنوات حياة بين الموت والميلاد
لولوة المنصوري أتذكر ذلك الانشغال الصامت بتأمل المبنى الهرمي لكاتدرائية رومانية كاثوليكية تقع على عتبات الماء في مدينة «ريو دي جانيرو» في البرازيل، حين بدت الكاتدرائية سامقة بمعمارها الحداثي الصعودي إلى السماء الذي لم ينفصل تماما عن التاريخ الروحي لشعوب أمريكا الجنوبية. ومنذ الوهلة الأولى لرؤيتها تداعت الذاكرة البصرية نحو أبنية معابد المايا والأزتيك التي تعد واحدة من أبرز الحضارات القديمة وأهمها التي نشأت في أمريكا الوسطى وتمتد أصولها إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، حضارة عريقة مندثرة منذ زمن بعيد، امتازت بتطورها العظيم في الفلك والحسابات والهندسة المعمارية ونظامها الكتابي المعقد وأيقوناتها السرية المقدسة. تجلّّى الفن المعماري الروحي لمدن المايا في بناء المعابد الهرمية الضخمة التي بُُنيت على نحو عجائبي يضاهي أهرامات الفراعنة في جمهورية مصر العربية التي يفصلها عن البرازيل مسافات بعيدة ممتدة مشيا على الأقدام وعبورا للبحار؛ فاختراق المسافة في العهود القديمة للبشر أشبه بمغامرة مستحيلة بسبب وجود المحيط الأطلسي بين أفريقيا وأمريكا الجنوبية، ولكن لا نستبعد حدوث ذلك في زمن كان البشر فيه أشبه بالكائنات الخارقة، والشواهد على ذلك كثيرة في عالم الآثار.
كاتدرائية القديس سيباستيان المتروبوليتانية في ريودي جانيرو، البرازيل
تأتي كاتدرائية «ريو دي جانيرو» الحداثية كاستلهام معماري روحي على نحو تشييد استكمالي لحلقة الوصل الزمنية المفقودة بينها وبين زمن المايا والأزتيك والإنكا. وبعيدا عن التساؤلات حول الأسبقية وريادة النشأة والابتكار الهرمي بين الحضارات القديمة، فإن الكاتدرائية الحداثية بشكلها التعبدي المُُهيب كانت مدعاة للاكتشاف والفضول، مبنى هرمي مجوّّف زاخر بالهواء والنوافذ والزجاج المعش ّّق الملون بألوان النار عن جانبيه وألوان الأرض في مقدمته، فراغ الجوف منفصل بشكله ومحتواه عن هيكله الخارجي الذي يوحي بالامتلاء، فالفراغ شكل من أشكال الامتلاء، وكأنه اتحاد زمني بين الفراغ والامتلاء، وفي المقابل هناك استشعار بفاصل زمني، فالداخل إلى المبنى أشبه بمن يلج كهفا عميقاًً، أو قعر فوهة بركان خامد، هكذا أتمكن من وصف الشكل الداخلي للكاتدرائية (فوهة بركان بارد) أضلاعه في حالة تصاعد هرمي نحو مركز مجهول في السماء، وهناك على مقاعد مصفوفة للعبادة والدعاء قادني تيار الوعي نحو التساؤل عن شكل جوف البراكين ومشتقات ِر البراكين عن صلواتها �ِّ النار في قعرها، تساءلت ُُ: هل تُُعب بالنيران والحمم المستعرة والمقذوفة من فوهتها؟ هل النارلغة البركان؟ وهل البراكين تعبير احتجاجي للجبال كي تعيد خلق توازن أفضل؟
عودة إلى الهرم التعبُُّدي: لماذا يتقاطع الشكل المعماري الهرمي للكاتدرائية وهرمية معابد المايا مع شكل البراكين؟ هل استوحى البناؤون الأوائل في المايا والأزتيك أماكن عباداتهم من قمم الجبال والبراكين؟ ولماذا تُُبنى المعابد الأكثر قداسة على الأرض على الشكل الهرمي تحديداًً؟ التساؤل يقودنا إلى البحث في دلالة أن الفكرة أبعد من طورها الزمني والأسبقية التاريخية وتحديد الريادة للمعابد الهرمية. فهو يُُطرح على الشكل التالي: ما الدلالة الروحية للأبنية الهرمية بمثلثها المتساوي الأضلاع الذي يشيرإلى الأعلى مثل سهم موجه لهدف مركزي في السماء؟ وبالعودة إلى تاريخ المعابد الهرمية على الأرض نجد أنها لم تكن عند الفراعنة وشعوب المايا فقط، بل ثمة معابد هرمية بوذية وهندوسية في كمبوديا وإندونيسيا، وكذلك الزقورات الهرمية التي كانت معابد للآلهة ومكان صعود الكهنة في حضارات بلاد الرافدين في العراق وإيران وسوريا، وأهرامات نوري لمملكة كوش في قلب صحراء السودان، وهرم أكتاو الهرم السداسي في كازاخستان وأهرامات جزر الأزورأو البرتغال. أيكفي أن نقول إننا أمام تجسيد معماري لصعود روحي أو حساب فلكي دون أن نفك ّّر بمصدر الإلهام الإنساني المشترك بين الشعوب القديمة؟
منظرعام للأهرامات من هضبة الجيزة، مصر
99 2026 /2025 يناير - ديسمبر 312 / العدد
98 المعابد الهرمية قنوات حياة بين الموت والميلاد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online