كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

العشرية في المجال السياسي دون الاقتصادي، ما جعل الثورة كالطائر الذي يطير بجنــاح واحد لا يمكنه أن يمضي بعيدا. ومنها أدوار الفاعلين الأساســيين وما اتسمت به من ارتباك وسلبية ووظيفية وتواطؤ ضمني ومكشوف مع أعداء الثورة، يشمل ذلك، بتفاوت، الإسلاميين واتحاد الشغل والإعلام وعموم النخبة. ومنها أن التجربة الديمقراطية التونسية ظلت نخبوية ولم تتسع حاضنتها الشعبية لتشكل قاعــدة اجتماعية صلبة تدعم الثورة وتدافع عــن الديمقراطية وقيمها. ومنها أن التجربة ظلت يتيمة محصورة داخل حدودها، فلم تتسع رقعتها ولم تجد حاضنة إقليمية أوســع، بعد أن تعطلت مسارات الانتقال الأخرى في باقي بلدان الربيع العربي. هذه العناصر ســنعرض لبعضها في نهاية هذا الفصل، وسنفرد للأخرى فصولا تتوسع في معالجتها. - نخبوية المسار رغــم الزخم الثوري الذي انطلق في ظله المســار الانتقالي مدفوعا برغبة عارمة في التغيير، لم تتمكن النخب التي تولت إدارة المرحلة الانتقالية من تحويل ذلك الزخم إلى قاعدة شــعبية واســعة مناصرة للديمقراطية وقيمها ومؤسساتها. لقد ظل المسار نخبويا دون حاضنة شعبية حقيقية، ولم تكن المحطات الانتخابية التي تشــهد انخراطا شعبيا دوريا في العملية السياسية كافية لنحت وعي جمعي يعتبر الشعب عمادا أساسيا للنظام الديمقراطي وليس مجرد وعاء انتخابي يحركه السياسيون ويغرفون منه متى حانت الانتخابات ويهملونه بعد ذلك. - يُُتْْم التجربة كانت هذه النخبوية في الداخل تسير بالتوازي مع حصار خارجي للاستثناء التونســي حتى لا يتحول إلى حالة عربية عامة. فعلى مدى عشــر سنوات، ظل المســار يتيما ولم يجد في محيطه ســندا يمده بأســباب البقاء والاستمرار. لقد فشــلت المســارات الانتقالية الأخرى مبكرا، وكان يمكن، لو صمدت واشــتد عودها، أن تتحول جميعا إلى تحالف صلب للديمقراطيات العربية الناشئة يعزز بعضها بعضا. لكن الذي حدث هو العكس، فقد سقط المسار المصري بانقلاب عســكري، وانتهى المسار اليمني بانقلاب طائفي، وتهاوى المسار الليبي بحرب

55

Made with FlippingBook Online newsletter