كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس

النخبة وإكسابها قدرات متجددة، تمك ِِّنها من مواجهة تحديات البناء الديمقراطي في المستقبل بوعي متقدم وأداء أفضل وأخطاء أقل. حتى الانقلاب، الذي وضع حدا للمسار الديمقراطي وأرسى على أنقاضه حكما فرديا مطلقا، يمكن أن يلعب، موضوعيا، دورا في تجديد النخبة التونسية وتطوير علاقاتها وتحسين أدائها. فمواجهته للنخبة بمختلف توجهاتها ومجالات نشــاطها وإخراجهــا من دائــرة الحكم ككتلة واحدة دون تمييــز، بما في ذلك المكونات التي تعلن ولاءها لمشــروع الانقلاب، ســيخلق فراغا نخبويا داخل الســلطة وحولها. فسعيِِّد، بحكم الطبيعة الشعبوية لنظامه، لا يريد استبدال نخبة جديــدة بالنخبــة القديمة، بل يريد أن يحكم دون نخبة. ومن شــأن هذا الفراغ النخبوي في دائرة الحكم أن يخلق في المقابل أرضية مشــتركة ويوفر الشــروط اللازمة لنشأة نخبة تونسية جديدة أكثر تقاربا في أهدافها وانسجاما في أساليب عملها من النخبة الســابقة. وإذا تمكنت تلــك النخبة من مواصلة الالتقاء على الحــد الأدنى، في ظل الهوامش المتبقية للتواصل والتحاور وتنســيق نشــاطها الميداني تحت حكم الانقلاب، ســيكون عليها أن تراجع أســباب فشــلها في المرحلة الســابقة، وســيكون بمقدورها بعد ذلك، صياغة سردية متماسكة تقابل بين إيجابيات الديمقراطية المتعثرة وسلبيات الاستبداد المستحكم. وسيصب كل ذلك في حساب النخبة الجديدة ويشكل رصيدا رمزيا لصالحها. لقد أخفقت النخبة التونسية بالفعل في ترسيخ المسار الديمقراطي في نهايته بعد أن لعبت دورا أساســيا في إنجاح بدايته. ولكن إســهامها، بوجهيه الســلبي والإيجابــي، مهم وضــروري لتجديد ذاتهــا، وبلورة رؤيتهــا، وتطوير خطابها وأسلوب عملها، وبناء علاقات بين مكوناتها على قاعدة الديمقراطية. وقد برزت مؤشرات ذلك بعد الانقلاب، حين تشكلت منذ الأيام الأولى ظاهرة جديدة في . " مواطنون ضد الانقلاب " صفوف النخبة تحت اسم فحين فشلت النخبة القديمة، الناشطة ضمن الأطر التقليدية مثل الأحزاب السياســية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، في التوحد وتنســيق مواقفها للدفــاع عن الديمقراطية " المواطنية " لمواجهــة الانقلاب، تشــكلت هذه النواة مبدأ وقناعة وأرضية عمل. ورغم حداثة تجربتها في العمل المشــترك، تمكنت

80

Made with FlippingBook Online newsletter