القرن الإفريقي عمقًا استراتيجيًّا خليجيًّا

ثانيًا: الحقائق المتعلقة بالمعطيات الثابتة، الجغرافيا والتاريخ والحضارة لفهــم وتفســير وتحليل عمق العلاقات التي تربط بيــن منطقة الخليج العربيّة وبلــدان القرن الإفريقي، يجب الاعتماد علــى منطق الروابط التاريخيّة والحضاريّة والثقافيّة، لأن أي تحليل لهذه العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة، لا يأخذ في الحسبان العناصــر التاريخيّة والحضاريّة والثقافيّة لا يعدو كونه تحليً للقوة الميكانيكية بين الطرفين. ولهذا نرى أنه من الضروري تفسير هذه العلاقات التي نشأت بين الجانبين، عبر المداخل التاريخيّة والحضاريّة والثقافيّة. يتم ذلك في ظل المسار الذي اتخذته العلاقــات الخليجيّة ببلدان القرن الإفريقي، حيث أنها اتخذت مســارًا ديناميّا قلما تشــهد مثيً له في التاريخ، من ناحية التأثير الحضاريّ والثقافيّ والاجتماعيّ؛ لأن الإسلام شكل الأسس الحضاريّة والثقافيّة لمعظم شعوب القرن الإفريقي. ويتضح هذا جليّا في التلاحم العربيّ الإفريقي في مناطق التماس السّاحلية، وذلك من خلال ظاهــرة التزاوج العربيّ الإفريقي ممــا أدى إلى الاختلاط والامتزاج العرقي بينهم. ويتضح أيضًا في التداخل والتشــابه اللّغويّ بين المنطقتين، ونتيجة لذلك التداخل ظهرت اللّغات الآفروآســيويّة للدلالة على اللّغات المختلفة التي تشــمل المنطقة الخليجيّــة وبلــدان القرن الإفريقي. كما يتضح في التواصل الدينيّ والحضاريّ بين مناطق شــبه الجزيــرة العربيّة وبلدان القرن الإفريقــي، وذلك من خلال المؤثرات الدينيّة والحضاريّة بدياناتها الســماوية الثلاث (اليهودية، والمســيحية، والإسلام)، جميعها ســاهمت في تشكيل ملامح الهُويّة الحضاريّة والدينيّة لشعوب ومجتمعات القــرن الإفريقي. وربما أن هذه العوامل التاريخيّــة والحضاريّة والثقافيّة، هي التي شــجعت ودعمت علي الأمين مزروعي بالحجج العلمية، في نظريته عن الأفرابيا، التــي تنــادي بضرورة قيام تجمع حضاريّ جديد بين شــبه الجزيرة العربيّة والدول الإفريقية، ترتكز على ركائز دينيّة ولغويّة واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة. عليه نرى أن منطقة القرن الإفريقي تمتلك حقائق المعطيات الثابتة (الجغرافيا والتاريخ والحضارة) لمبدأ العمق الاســتراتيجيّ، يُمكن أن تؤهلها أن تصبح دائرة

194

Made with FlippingBook Online newsletter