لباب-العدد 32

179 |

مقدمة عـ َُّد التحولات المناخيــة المعاصرة واحدة من أكثر الظواهر البنيوية تأثيرًًا في إعادة �ُُ ت تشــكيل أنمــاط الأمن العالمــي خلال القرن الحادي والعشــرين؛ إذ لم يعد التغير المناخــي يُُنظر إليه بوصفه مجرد إشــكالية بيئيــة ذات طابع تقني أو طبيعي، بل غدا متغيــرًًا جيوســتراتيجيًّّا معقدًًا قادرًًا علــى التأثير في البنــى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدول والمجتمعات، وعلى إعادة إنتاج أنماط جديدة من المخاطر العابرة للحدود، وفي مقدمتها النزاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية؛ فالتصاعد المتسارع في معــدلات الجفاف، وتراجع الأمن المائــي، واختلال الأنظمة الزراعية، وازدياد حدة الكــوارث المناخية، كل ذلك بات يشــك ِِّل بيئة خصبــة لتفاقم التنافس على الموارد المحدودة؛ ما قاد العديد من الأدبيات المعاصرة إلى إعادة موضعة العلاقة بين البيئة .) 1 ( " النزاعات المناخية " أو " الأمن المناخي " والأمن ضمن إطار ما أصبح يُُعرف بـ سـَر من خلال عوامل سياســية أو إثنية أو � وفي هذا الســياق، لم تعد النزاعات تُُف اقتصادية منفصلة، بل برز اتجاه تحليلي ينظر إلى التحولات المناخية بوصفها متغيرًًا مؤثرًًا في إعادة تشــكيل بيئات المخاطر القائمة، من خلال تعميق مظاهر الهشاشــة البنيوية وإضعاف القدرة على إدارة الضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية؛ ما يرفع مــن احتمالات التوترات الاجتماعية وحالات عدم الاســتقرار، خاصة في المناطق التي تعاني هشاشة بيئية ومؤسساتية. وبذلك غدت العلاقة بين المناخ والنزاع إحدى القضايا المركزية في الدراسات الأمنية والإستراتيجية والسياسات البيئية الدولية. غير أن التعقيد المتزايد للأنظمة المناخية والبيئية، والتشــابك الكثيف بين المتغيرات الطبيعية والبشــرية، كشــف عن محدودية أدوات التحليل التقليدية في التنبؤ المبكر بالمخاطــر المناخيــة والنزاعات المســتقبلية المرتبطــة بها؛ فالنمــاذج الإحصائية الكلاســيكية غالبًًا ما تعجز عن اســتيعاب الطبيعة الديناميكية وغير الخطية للظواهر البيئيــة المعقــدة، كما أن آليات الرصد التقليدية لم تعد قادرة على معالجة الكميات الهائلة والمتدفقة من البيانات المناخية والاقتصادية والديمغرافية اللازمة لفهم أنماط .) 2 الخطر المستقبلي(

Made with FlippingBook Online newsletter