Shawati' Issue 72

آفـــــــــــــــاق ثقافيـــــــــــــة

72 شواطئ

153

152

Shawati’ 72

Afaaq Thaqafiyya – Cultural Blueprints

هل يُعقَل لعطـــــر أن يســـــتدعي في أعماق الرّوح صورة فـــــردوس مفقودٍ؟ ذلك خاطر يلم بالنّفس مع نسمة عطر نُسلِم لها قلوبنا طوعًا، لتنتشي الحواس بلذّة خفيّة تنبعث من وردة رقيقة، أو خشـــــب دافئ، أو نبتة فوّاحـــــة، حتّى يُخيّـــــل إلينـــــا أن كل نفحة تومئ إلينـــــا لنرافقها إلى عوالـــــم بعيدة، لا تفتح أبوابها إلا لمن أرهف الإحساس.

Can Eden be recreated through fragrance? With a single breath, we surrender ourselves to joyous senses, where petals, woods, and botanical beauty beckon us toward far- away lands, each whiff a key to something truly magical. Perfumers have always widened their creative repertoire, drawing on evergreen botanical and imagined worlds. As seasons unfold, we drift towards invisible trails of scent that do more than please on first breath; they quietly un- furl stories, softening the boundaries between memory and dream, inviting us into untamed, beautiful reveries. It must be sheer ingenuity for such perfumer-virtuosos to summon up such romance from a motley of natural and synthetic ingredients, transforming their palette of ide- as into iconic works of scented poetry.

هل Diving into the world of Arabian Oud perfume opens doors to a realm where tradition meets luxury. Every scent tells a story, weaving tales of ancient rituals and modern elegance. Image courtesy of IRFE ماء الورد الممزوج بالمسك، وبعض اللّبان، وخشب العود، والعنبر، والمسك، وشموعًا. ثم وضعت كل ذلـــــك في الصّندوق، وقالت واتّبعني.” … له: احمل صندوقك يُمثّـــــل تاريخ صناعـــــة العطور فـــــي العالم العربـــــي مهـــــدًا لل ّابتكار، نُســـــجت خيوطه من كـــــرم الطّبيعة وبراعة الإنســـــان. فقبل بروز دوْر العطور الفاخـــــرة بقرون طويلة، كانت أراضـــــي الجزيـــــرة العربيّـــــة والعالم الإســـــلّامي الأوســـــع تحتضن طيفًـــــا غنيًّا من الصّموغ النّباتيّة والأخشـــــاب والأزهار والتّوابل. وقد ســـــافرت هذه المواد الخام فـــــي الدّروب نفســـــها التـــــي حملـــــت اللّبان والمُر إلى شـــــواطئ البحر المتوسّط، بينما عـــــادت القوافل من الهند وفـــــارس محمّلة بالزّعفران والعود والنّباتات العطريّة. يعود اســـــتخدام العطر في هـــــذه المنطقة إلى حضـــــارات ضاربة في القـــــدم، من بل ّاد الرّافدين إلى مصر القديمة. فلوح مسماري يعـــــود لأكثر مـــــن ثلّاثـــــة آلاف عـــــام يذْكر تابّوتي-بيلّاتيكاليم بوصفهـــــا أوّل عطّارة معروفة في التّاريخ. وقد كانت تعمل في بلّاد الرّافديـــــن، حيث عمدت إلـــــى تقطير الأزهار والزّيوت والصّمـــــغ لصناعة مراهم معطّرة، وكانت تلك التّقنيّات اللّبنة الأولى لفن العطور كما نعرفه اليوم. بلغ العلمـــــاء العرب بفنـــــون التّقطير درجة نادرة مـــــن الإتقان، فوهبـــــوا العالم الزّيوت الأساســـــيّة والماء المعطّر، وبالأخص ماء الورد الذي غدا الأحب إلى القلوب. ويتقدّم هؤلاء الروّاد الكيميائي الشّهير أبو موسى جابر بـــــن حيّان، الذي اســـــتقر فـــــي بغداد، واشـــــتهر بوصفه أبًا للكيميـــــاء التجريبيّة؛ The Arab World has long been a global epicentre of beau- ty, culture, and refinement. Enamoured of beauty since time immemorial, we see this gorgeous obsession shap- ing its artistic scene and everyday life. Perfumes fre- quently appear in Arabic literature to symbolise purity, desire, or opulence, contrasting the fleeting nature of life with an enduring beautiful memory. In classical Arabic poetry, the scent of the beloved serves as an intense al- legory for intimacy, nostalgia, and longing, sometimes acting as an invisible connection between separated lovers. Within the tales of the “One Thousand and One Nights”, fragrant items, such as frankincense, musk, and ambergris, are essential plot elements, used in daily rituals and showcases of splendour. In “The Story of the Porter and the Ladies of Baghdad”, we follow the shop- ping spree of one particular lady: “The lady smiled at his remark, and next stopped at the shop of a per- fumer, of whom she bought ten kinds of scented waters; rose-water, and orange-flower-water, and willow-flower-water, together with some sugar, and a sprinkling-bottle of rose-water infused with musk, ولطالما وقف العطّارون على ثغر الطّبيعة، يقتبســـــون من بســـــاتينها مـــــا يُعينهم على تصوير عوالم لا تُرى بالعين، بل بالبصيرة. فإذا تعاقبـــــت الفصـــــول، وجدنـــــا الرّوائح تنســـــج لنا طريقًا خفيًّا يمحو المسافة بين ذكرى مضـــــت وحلم لم يأت بعـــــد، ويقودنا إلى قصص يجمح لها الخيال. وما أعجب ســـــر هؤلاء العطّارين! يَهبُـــــون لحظة وجد عبيرهـــــا الخاص مـــــن مكوّنات جـــــادَت بها الطّبيعة أو أبدعتها أناملهم. إنّهم ســـــفراء الشّـــــذى، القادرون بموهبتهم على الســـــمو بالعطـــــر إلـــــى مرتبة الفـــــنّ، ليصبح شـــــعرًا يخاطب النّفس. في عالـــــم العطور، تبـــــدو كل نفحة كلوحة حيّـــــة تنبض بمزيـــــج آســـــر مـــــن الرّوائح، تُعيد تشـــــكيل مشـــــاهد من جمال صامت، وفســـــحات من حلم نديّ، وذكريات تسكن شغاف القلوب. بل إن أسماء العطور نفسها تهمـــــس بتجارب لم نَعِشـــــها بعـــــد، وأماكن لـــــم نزرها قـــــطّ. فَرَشّـــــة خفيفـــــة من عطر لــ توماس Star Chaser “ستار تشايســـــر” كوســـــمالا، تكفي لتستنشـــــق معنى التحرّر والتّحليـــــق على زغَب مـــــن أوراق الهندباء المشمّســـــة، كأنّـــــك تتنـــــزّه بين نجـــــوم من زهر النّيرولي، وخشـــــب الصّندل، والتفّاح “بال الأخضر، وحبوب التّونـــــكا. أمّا نفحة مـــــن أتولييـــــه Bal d’Orient دوريـــــون” ريبول، فتستحضر بهاء قاعات الرّقص في زمن مضى؛ أقمشة من حرير لامع، وثريّات تتـــــألأ كأنّها قطـــــرات ضـــــوء، ومزيج من العود وخشب الأرز والصّندل تداعبه لمسة ورد رقيقـــــة، تُكمّله ســـــيمفونيّة من العنبر والفانيلّا والعســـــل وغزل البنات والمسك. Le Temps des ثم يأتي “لو تان ده ريف” من غوتـــــال، كأنّه أنشـــــودة رقيقة Rêves لإمكانات تولد من جديد، ولأحل ّام الطّفولة المخبّأة في بتلّات زهـــــر البرتقال المغربي ونيرولـــــي المغـــــرب، تُضـــــيء الطّريق أمام القلب رويدًا رويدًا. لطالمـــــا كان العالم العربـــــي مركـــــزًا عالميًّا للجمال والثّقافـــــة والرّقيّ. فمنـــــذ الأزمنة السّـــــحيقة، نشـــــأ فينا ولع فطري بالجمال، تجلّى في فنوننا ومشاهد حياتنا اليوميّة، وشكّل ملّامح ذائقتنا عبر العصور. وكثيرًا ما تظهر العطـــــور في الأدب العربـــــي رمزًا للنّقاء أو الشّـــــغف أو الثّراء، وتذكارًا يقاوم هشاشـــــة الحيـــــاة وســـــرعة أفولهـــــا. وفي الشّـــــعر العربـــــي القديـــــم، تتجسّـــــد رائحة الحبيب كاستعارة تعبّر عن الألفة والحنين In perfumery, each fragrance is a kind of tableau vivant , sort of a living picture composed of a symphony of scents. This still-life recreation of scent captures the beauty of vistas, reveries, and memories. Perfume names play- fully whisper of lives unlived and places unseen. Spritz “Star Chaser” by Thomas Kosmala and you breathe in liberation, a dandelion-light flight, as if strolling among constellations of neroli, sandalwood, green apple, and tonka bean. A whiff of “Bal d’Orient” by Atelier Rebul summons old-world ballroom glamour, all lustrous silk and glimmering chandeliers, blending the richness of oud, cedarwood, and sandalwood, softened by a delicate touch of rose, and sprinkled with a symphony of amber, vanilla, honey, cotton candy, and musk. And “Le Temps des Rêves” by Goutal is a tender ode to possibility, child- hood dreams wrapped in comforting notes of Moroccan orange blossom and Moroccan neroli, softly lighting the path ahead. والاشـــــتياق؛ وكـــــم مـــــن مـــــرّة غـــــدت تلك الرّائحة خيطًـــــا خفيًّا يصل بين قلبين حال القدر بين لقائهما. أمّا في حكايات “ألـــــف ليلة وليلة”، فتظهر الطّيـــــوب - من اللّبان إلى المســـــك والعنبر- عناصـــــر محوريّة فـــــي الأحـــــداث، تدخل في الطّقـــــوس اليوميّـــــة ومظاهـــــر البذخ، وتشـــــهد على عالـــــم كانـــــت فيـــــه الرّوائح لغـــــة غير محكيّـــــة. وفي “حكايـــــة الحمّال والبنات الثّلّاث”، نرافق إحدى الســـــيّدات في جولـــــة تســـــوّق فاخرة، حيـــــث تمتلئ السّـــــلّال بما طاب من العطـــــور والطّيوب. وتقول الرّواية: “ابتســـــمت السيّدة لقولِه، ثم وقفت عند متجر للعطّار، فاشترت منه عشرة أنواع من المياه العطريّة: ماء الورد، وماء زهر البرتقال، وماء أزهار الصّفصاف، ومعها شيئًا من الســـــكّر، وقارورة رش من C

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online