Shawati' Issue 72

آفـــــــــــــــاق ثقافيـــــــــــــة

72 شواطئ

173

172

Shawati’ 72

Afaaq Thaqafiyya – Cultural Blueprints

الحصن ما قبل الإســـــاميّ، جميعها ترســـــم مسار آلاف السّنين من الاســـــتيطان البشري على امتداد الصحراء. ومن أثمن مكتشفات مليحة مدفن أم النّار، وهو موقع دائري للدّفن يعود إلى العصر البرونزي ويتجاوز عمره أربعة آلاف ســـــنةٍ. داخل هذا المدفن، تكشـــــف اللّقى القادمة من باد الرّافدين ووادي السّند عن شـــــبكات تجارة قديمة ربطت مليحة بعوالم بعيدة. وبعد قرونٍ، في أواخر الحقبة السّـــــابقة لظهور الإسام، انبثق من هذه الرمال حصن طيني أيقوني يُعد أقدم حصن معروف في دولة الإمارات؛ شامخًا كحارس لطرق التّجارة الداخليّة الحيويّة. على الرّغم من الصّورة النمطيّة للصّحراء كأرض قاحلة، فإن مليحة تزخر بتنوّع بيئي لافت. كيلومترًا مربّعًا، تزدهـــــر أكثر من مئة فصيلـــــة من النّباتات 34.2 ففـــــي نطاقهـــــا الممتد علـــــى والكائنـــــات الحيّة، من نباتات صحراويّة قادرة على التحمّل إلى حيوانات بريّة نادرة الظّهور. وتشـــــكّل نباتات المنتزه العمود الفقري لهذا النّظام البيئي الهشّ: شـــــجرة الغاف ذات الجذور العميقة، وشجرة السّنط الوارفة الظلّ، وشجرة العُشر القادرة على النمو في أقسى الظّروف، وزهرة الرّبيع العربيّة الرقيقة. مجتمعةً، تُثبّت هذه النباتات الرّمال، وتحفظ الرطوبة الثمينة، وتوفّر موائل طبيعيّة للكائنات الكبيرة والصّغيرة على حد سواء. مـــــن هذا الصمود النباتي تنبثق برّيّة خفيّة تنبض بالحيـــــاة. فتجوب المنطقة أكثر من إحدى عشـــــرة فصيلة من الثدييّات، من بينها الثعلب الأحمر العربي القادر على التكيّف مع مختلف الظروف، والذي تُرصد آثاره على الكثبان مع بزوغ الفجر، وغزال الرّمال الذي يعبر السّـــــهول برشاقة وصمت. وتحت ســـــطح الأرض، تنشط أكثر من عشـــــر فصائل من الزّواحف، من بينها سحليّة السّمك الرملي التي تنساب في الرّمال بساسة كأنّها تسبح فيها، والأفعى العربيّة ذات القرنين التي تتقن التّخفّي ولا يكشف عنها سوى أثر خافت لمسارها المتعرّج. وفـــــي الأعالـــــي، تتربّع الطّيور على ســـــماء مليحة؛ فيُمكن رصد أكثر من عشـــــرين نوعًا، بدءًا مـــــن الجوارح المحلّقة كعقاب بونيلّي إلـــــى طائر التّمير الأرجواني الذي تلمع ألوانه بين أزهار السّـــــنط. وتُضيف الطّيور المهاجرة طبقة موسميّة نابضة بالحياة. حتى أصغر الكائنات - أكثر من تســـــع وثاثين فصيلة من الحشـــــرات والعناكب - لها دور أساســـــي فـــــي حفظ توازن هذا النّظـــــام البيئيّ. فنحلة النجّار تلقّح النّباتات التي تُشـــــكّل ركيزة الحياة، بينما يُســـــهم العقرب العربي ذو الذّيل السّمين، رغم ندرته، في حفظ التّوازن الدقيق تحت الرّمال. ولا تُقدّم مليحة للزوّار مجرّد لمحة عابرة، بل تجربة غامرة في عمق الصّحراء. فالمســـــارات الطبيعيّـــــة الموّجهة في الهواء الطلق، وجولات التعرّف إلـــــى النّباتات، ونقاط مراقبة الحياة البريّة، كلّها تكشـــــف عن الإيقاع الخفي لهذه الصّحراء الحيّة، وتُتيح لحظات من الاكتشـــــاف الهادئ وفرصًا استثنائيّة للتّصوير الفوتوغرافيّ. إلـــــى جانب العالم الطبيعيّ، تُعيد المعارض المتخصّصة، والسّـــــرد الرقمـــــيّ، والعروض الحيّة إحياء الممارســـــات القديمة ومهارات البقاء التي اعتمد عليها الإنســـــان الأوّل. وللباحثين عن المغامرة، تفتح جولات ركوب الخيل، والمخيّمات الليليّة، والتّحليق الشراعيّ، وليالي مراقبة النّجوم آفاقًا جديدة لاستكشـــــاف هذا المشـــــهد الخالد؛ وهذه التجارب صُمّمت لا لإلهام الزّائر فحسب، بل لتعزيز الوعي البيئيّ، وتعميق صلة الإنسان بالطّبيعة. الثقافة محرّكًا للتنمية علـــــى الصّعيد العالميّ، تتجلّى بوضوح قدرة التّراث على دفع عجلة التنمية. وتُشـــــير منظّمة في المئة 40 الســـــياحة العالميّة التابعة للأمم المتحدّة إلى أن الســـــياحة الثقافيّة تُشكّل نحو مـــــن إجمالي الرحات حول العالم. كما تُبيّن دراســـــات برنامج الأمم المتحدّة الإنمائي أن كل 30 و 7 دولار واحد يُســـــتثمَر في اســـــتعادة النّظم البيئيّة يُحقّق عائدًا اقتصاديًّا يتراوح بين دولارًا، في تأكيد واضح على أن الطّبيعة قادرة على أن تكون قوّة دافعة لازدهار الاقتصادي والرفاه البشريّ. تُجسّـــــد الفاية ومليحة هذا المبدأ على أرض الواقع. فمنذ الاعتراف الرســـــمي بمنتزه مليحة ، 2025 الوطنـــــي كجزء من المشـــــهد الثقافي لعصور مـــــا قبل التّاريخ في الفاية في ســـــبتمبر أصبح المتنزه مركزًا متناميًا للسّـــــياحة الثقافيّة والبيئيّة. وقد أســـــهم الموقع في استحداث فـــــرص عمل في مجالات الإرشـــــاد والضيافة والحفاظ على البيئة والتّعليـــــم، مُثبتًا أن حفظ الماضي يُمكن أن يكون وقودًا للمستقبل. ولكـــــن مع ازدياد الإقبال، تتّســـــع دائرة المســـــؤوليّة فـــــي إدارة الموقع. فقد بدأ الاســـــتخدام العشـــــوائي لمركبات الدّفع الرباعي ورحات ســـــفاري الكثبان غرب سلسلة جبال الفاية يُهدّد سامة التكوينات الرمليّة الحسّاسة. وتعمل خطّة الصّون الخاصّة بهيئة الشارقة للآثار للفترة على معالجة هذا التحدّي مباشـــــرةً، من خال اســـــتحداث مســـــارات مخصّصة 2030–2024 لرحات الســـــفاري، وممـــــرّات منظّمة للمتنزّهين، بما يضمن حماية المناطق الهشّـــــة والحفاظ على توازنها البيئيّ.

القديـــــم وعلم الآثـــــار، واضعًا دولة الإمارات العربيّـــــة المتّحدة في طليعة النقـــــاش الدّولي حول أصول الإنسان وتطوّره المبكّر. وأشـــــار عيسى يوســـــف، المدير العام لهيئة الشـــــارقة للآثار، إلى أنّ: “الفاية تقف اليوم كشاهد حي على عبقريّة الإنســـــان الأوّل وقدرته على الصّمود، وقد أعادت رســـــم فهمنا لشبه الجزيرة العربيّة، لا كمجرّد معبر للهجرة، بل كوطن حقيقي لاستيطان والإبداع.” ويُعد المشهد الثقافي القديم للفاية ثاني موقع في دولة الإمارات ينضم إلى هذه القائمة المرموقة، بعد . وتقدّم مجموعة العين، الواقعة في إمارة أبوظبي، والتي 2011 إدراج المواقـــــع الثقافيّة في العين عام تضم مســـــتوطنات ومقابر ونظـــــم ري قديمة (الأفاج) تعود إلى العصرين البرونـــــزي والحديديّ، نافذة نادرة تُطل على الحياة في الحافّة الخصبة للصّحراء منذ ما يزيد عن أربعة آلاف ســـــنة مضت. ويتألّف الموقع من ست واحات ومعالم أثريّة هي: بدع بنت سعود، وجبل حفيت، وهيلي، وهي مناطق طبيعيّة ظلّت توفّر الماء والغذاء والمأوى لقرونٍ، مُديمة بذلك واحدة من أقدم المستوطنات التي ظلّت مأهولة بشكل مستمر في المنطقة. من عصور ما قبل التّاريخ إلى الإتاحة العامّة باعتباره ســـــجا حيًّا للتاريخين الإنســـــاني والطبيعيّ، بات المشـــــهد الثقافي القديم للفاية اليوم محميًّا الصادر عن إمارة الشارقة، ممّا يضمن صونه للأجيال 2020 لسنة 4 بموجب قانون التّراث الثقافي رقم القادمة. وتشرف هيئة الشـــــارقة للآثار على هذه المهمّة بصفتها الجهة الوصيّة على الموقع والمسؤولة ؛ وهي مخطّط يوازن 2030 عن إدارة مســـــتقبله. وقد وضعت الهيئة خطّة إدارة شـــــاملة تمتد حتى عام بيـــــن متطلّبـــــات الحفاظ والبحث العلمـــــي وإتاحة الموقع للـــــزوّار. وتعتمد هذه الخطّـــــة على مزيج من الإشراف المتخصّص، والتشريعات الملزمة، والرّصد المستمر لهذا الامتداد الجغرافي الواسع. ويســـــتطيع الزوّار اليوم استكشـــــاف الفاية عبر بوابتين رئيســـــيّتين: منتزه جبل البحيص الجيولوجي ومنتزه مليحة الوطنيّ، وهما يُشكّان ركيزتين متكاملتين تجمعان المعرفة العلميّة والسّرد التاريخيّ. يقع منتزه جبل البحيص الجيولوجي على السفح الشمالي الشرقي لجبل البحيص، وقد افتُتح في عام كمركز للتّعليم والتّفســـــير العلميّ. ويُتيح الموقع للزوّار الانطاق في مســـــارات ذاتيّة الإرشاد أو 2020 جولات مُنسّـــــقة بعناية تســـــتعرض حقبًا جيولوجيّة متعاقبة من تاريخ الأرض. ويضم المنتزه ثروة من البقايـــــا المتحجّرة لكائنات بحريّة ازدهرت يومًا في البحـــــار الضّحلة التي كانت تغطّي معظم ما نعرفه اليوم بدولة الإمارات. كما يحتوي على مسرح غامر وتجربة عرض تفاعليّة يكشفان كيف أسهمت القوى التكتونيّة في رفع سلسلة جبال الحجر وتشكيل المشهد الطبيعي الرّاهن. شـــــرقًا، يوسّع منتزه مليحة الوطني هذه السرديّة، منتقا بها من علم الجيولوجيا إلى فصول من تاريخ ، وأصبح اليوم جزءًا لا يتجزّأ من المشهد الثقافي القديم للفاية، 2016 البشريّة. افتُتح المنتزه في عام داعيًا الـــــزوّار إلى تتبّع خطى الحضارات الأولـــــى. فالأدوات الحجريّة، ومقابر العصـــــر البرونزيّ، وبقايا

insects and arachnids - play their part in keeping this desert alive. The Carpenter Bee pollinates the plants that sustain the ecosystem, while the rarely seen Arabian Fat-Tailed Scorpion helps maintain the balance of life be- neath the sands. For visitors, Mleiha offers more than a glimpse - it offers immersion. Guided nature trails, flora identification walks, and wildlife observation points reveal the hidden choreography of this living desert, each offering mo- ments of quiet discovery and exceptional photography opportunities. Beyond the natural world, curated exhibitions, digital storytelling, and live demonstrations bring ancient prac- tices and survival skills vividly to life. For the adventur- ous, horseback rides, overnight camps, paragliding, and stargazing nights open new perspectives on the timeless landscape - experiences designed not just to inspire awe but also to foster environmental awareness and a deeper connection to nature. CULTURE AS CATALYST Globally, the power of heritage to drive development is clear. The United Nations World Tourism Organisation reports that cultural tourism accounts for 40, per cent of all travel worldwide. Studies by the United Nations De- velopment Programme show that every dollar invested in ecosystem restoration returns between USD 7 to USD 30 in economic benefits, making it clear that nature can drive economic prosperity and human well-being. Faya and Mleiha embody this principle in action. Since being officially recognised as part of the Faya Palaeo- landscape in September 2025, Mleiha National Park has become a thriving cultural and eco-tourism hub. It has created employment in guiding, hospitality, conserva- tion, and education - proving that protecting the past can fuel the future.

4,000 years. Inside, artifacts from as far as Mes- opotamia and the Indus Valley speak of ancient trade networks that once connected Mleiha to distant worlds. Centuries later, in the late pre-Is- lamic era, an iconic mud-brick fort rose from these sands - the UAE’s oldest known fortress, standing sentinel over vital inland trade routes. Far from barren, Mleiha’s landscape teems with life. Within its 34.2-square-kilometre expanse, more than 100 species flourish - from resilient desert flora to elusive wildlife. The park’s plants form the backbone of this fragile ecosystem: the deep-rooted Ghaf tree, the shade-casting Um- brella Thorn Acacia, the hardy Sodom’s Apple, and the delicate Arabian primrose. Together, they hold the desert in place - anchoring dunes, retaining precious moisture, and offering sanc- tuary to creatures both large and small. From this botanical tenacity springs a hidden wilderness. More than 11 species of mammals roam the terrain - among them the ever-adapt- able Arabian Red Fox, whose tracks trace the dunes at dawn, and the graceful Sand Gazelle, gliding across the plains in quiet herds. Be- neath the surface, over 10 reptile species thrive, including the Sandfish Skink, which swims through the sands, and the elusive Arabian Horned Viper, a master of camouflage whose presence is revealed only by the faint imprint of its winding path. Above it all, the sky belongs to the birds. More than 20 species can be seen here, from soaring raptors like Bonelli’s Eagle to the jewel-toned Purple Sunbird, flashing its iridescence among acacia blooms. Migratory visitors add another layer of life, arriving with the shifting seasons. Even the tiniest inhabitants - over 39 species of

[L-R] Aerial photograph of the Rub'al-Khali. Jebel Nizwa at sunset. © Sheikh Sultan bin Ahmed Al Qasimi

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online