Shawati' Issue 72

المجلس

72 شواطئ

49

48

Shawati’ 72

Al Majlis - Forums of Exchange

يخلو من الدّقّة، أدّى السّـــــرد الشّـــــفهي دورًا مهمًّا فـــــي حفظ ملامـــــح التّاريخ وأحداثه الكبرى، وصون شـــــواهد الأزمنة في ذاكرة الرّواة، مانحًا الأجيال اللاّحقة رؤية أوضح للمجتمعات ومسارات تحوّلها عبر القرون. في مراكش، تنبســـــط ســـــاحة جامـــــع الفنا، التي تعود نشـــــأتها إلى القرن الحادي عشر، فـــــي عهد الدّولـــــة المرابطيّة، شـــــاهدة على قرون من الحكايات والأصوات الشّـــــعبيّة. فمـــــا تـــــزال، إلى يومنـــــا هـــــذا، تحتضن كل مســـــاء احتفـــــالا حيًّـــــا للرّواة، تتمـــــازج فيه تقاليـــــد المغـــــرب الشـــــعبيّة مع الموســـــيقى والفنون والأجـــــواء الرّوحانيّة، فيتشـــــكّل نســـــيج ثقافـــــي نابض بالحيـــــاة. وفي قلب هذا المشـــــهد يقف عبد الرّحيم الأزلية، أحد أبـــــرز الحكواتيّيـــــن المغاربـــــة المعاصرين، يبعـــــث الحياة في حلقات السّـــــرد القديمة، ويمزج التّاريخ بالأسطورة والخيال، ليقدّم عروضًـــــا تنبض بخفّـــــة الظل وعمق الحكمة ودفء الإنســـــانيّة. وبحضـــــور آسِـــــر، ولغة تجمع بين فصاحة العربيّة وطرافة الدّارجة المغربيّـــــة، غدا الأزلية أشـــــبه بســـــفير لِهذا

التّراث الشـــــفهيّ، يُسهم في إحياء الحكاية وحفظها، ويُعيد ترســـــيخها فنًّا قائمًا بذاته في الذّاكرة الثقافيّة للمغرب. وقد ازدهرت مهنة الحكواتي الأسطوري في العراق أيضًا، حيث عُرف الرّواة هناك باسم القَصّاخون، يستقون حكاياتهم من أرشيف أدبي وفولكلوري بالغ الثّراء، من أبرز كنوزه ملحمـــــة جلجامش، التي تُعَـــــد إحدى أقدم الأعمال الأدبيّـــــة المعروفة، ويعود تاريخها قبل الميلاد، 1200 و 2100 إلى ما بين عامَي في حضارة بلاد الرافدين. ومع قدوم العصر العبّاســـــيّ، أشرقت بغداد مركـــــزًا للعلـــــم والثّقافـــــة والأدب والفنون، حتى غدت ملتقى العقول ومنارة للمعرفة. ويَذكر المؤرّخ المسعودي في القرن العاشر الميلادي قائلاً: “كان في بغداد قصّاص في الطّريـــــق يُمتّع الناس بمـــــا يقصّه عليهم من الحكايات والنّوادر.” ومنـــــذ ذلـــــك الحيـــــن، غـــــدت المقاهـــــي في العالـــــم العربي مســـــارح للحكواتيّ، ومراكز نابضة بالحياة الفكريّة والفنيّة. ففي زاوية

في الشّـــــعر والحكايات العجيبة وحتى في صفحات الأدب الحديث. وكان البحّارة العرب في العصور الوســـــطى يعودون من أســـــفارهم عبر المحيط الهندي محمّلين بحكايات مذهلـــــة، ألهم كثير منها مغامرات السّـــــندباد البحـــــريّ. ولعل ما يثير التأمّل أن ميناء البصرة - موطن السّـــــندباد فـــــي القصـــــص - كان بالفعل مركزًا رئيســـــيًّا للتّجـــــارة البحريّة، تقاطعـــــت في الثقافات وتلاقحت على أرصفته الرّوايات. وقد ســـــمح تنوّع مواهـــــب الرّواة وخصوبة خيالهـــــم بأن تســـــتوعب الحكايـــــة العربيّة طبقـــــات متداخلة مـــــن التّفاصيل والتّاريخ والرّؤى الاجتماعيّة، لتتحوّل عبر الزّمن إلى وثيقـــــة تاريخيّة نابضة بالحياة، وأرشـــــيف حي للسّرد الشّفهيّ، يحفظ بروح مُحبّة أدق ملامـــــح الثّقافة العربيّة، وذاكرة شـــــعوبها، وقيمها الممتدّة عبر العصور. وقد ســـــاهم ظهور الإسلام في القرن السّابع في رفد تقاليد السّـــــرد الشّفهي في المنطقة بالمزيـــــد من البلاغة، ومنحهـــــا آفاقًا أعمق. فالقـــــرآن الكريـــــم زاخـــــر بقصـــــص الأنبياء والصّالحيـــــن، تحمل فـــــي تفاصيلهـــــا عِبرًا إنسانيّة خالدة عن الإيمان والخُلق والحكمة وسخاء الرّوح. فتُطالعنا على سبيل المثال قصّـــــة يوســـــف عليه السّـــــلام ومـــــا انطوت عليه من محنة وصبر، وقصّة موســـــى عليه السّلام بما حفلت به من تحديّات وعزيمةٍ. وفـــــي تلـــــك المرحلـــــة، كان العـــــرب البـــــدو يفاخرون بقدرتهـــــم الفطريّة على الخطابة والإلقـــــاء، وبخاصّة في فن الشّـــــعر النّبطي الأصيـــــل. فقد اجتمعت فيه فصاحة اللّفظ، وقـــــوّة الذّاكرة، وروعة الأداء، وتوشّـــــحت أبياته بلطافة بين السّطور زادته رقّة وبهاء، حتـــــى غدا مفخرة من مفاخرهم. كانت تلك القصائد مرآة للرّوح الإنســـــانيّة بما تنطوي عليـــــه من هشاشـــــة واتّســـــاع. وعلى نحو لا

The Leopardʹs Court - “ Leopard Bearing Lionʹs Order to Fellow Judges, ” Folio 51 recto from Kalila wa Dimna, dating to the second quarter of the 16 th century. Ink and opaque watercolor on paper. Part of The Metropolitan Museum of Art collection’s open Public Domain art. Image courtesy of The Alice and Nasli Heeramaneck Collection, Gift of Alice Heeramaneck, 1981

Abu Zayd al-Hilali Salama. Anonymous, date unknown, Image Source: Collection of Susan Slyomovics, purchased in Egypt, 1981

أن تظـــــل القصـــــص التي يروونها مُتّســـــمة بوقار الحكمة ونُبل المقصد وسمو المعنى. لـــــم يعرف فن الحكاية العربي يومًا حدودًا، فهـــــو في جوهره ضـــــارب في القِـــــدم، كأنّه وُلد مع الزّمن نفســـــه. فقد جعل موقع العالم العربـــــي عنـــــد مفترق طـــــرق التّجـــــارة منه ملتقًى للروايات القادمة من الهند وشـــــرقي آسيا وشمال إفريقيا، تختلط فيه الأساطير المحلّيّة بحكايات الشّعوب البعيدة. وهكذا بات تراثه السّـــــردي يســـــتلهم مـــــن أقاصي الأرض بقدر ما يهبُها من روحه، تاركًا بصمته

events throughout history, in addition to offering a better understanding of societies throughout the ages. The Jemaa el-Fnaa is a plaza in Marrakesh dating back to the 11 th century, founded under the Almoravid dynas- ty, and buzzes with voices. To this day, it hosts a night- ly carnival of storytellers, embodying a remarkable fu- sion of Morocco’s popular cultural traditions, expressed through music, spirituality, and the arts. Abderrahim Al Azzalia is a renowned Moroccan contemporary hak- awati who brings the ancient halqa storytelling circles to life, blending history, folklore, and imagination in performances that pulsate with humour, wisdom, and humanity. With his charismatic presence and poetic use of classical Arabic and Darija [Moroccan dialect], he has become a cultural ambassador for Morocco’s oral heritage, helping to revive and preserve storytelling as an art form. The legendary storyteller occupation was also promi- nent in Iraq, known as al-Qaskhun , who drew from rich literary and folklore archives, such as the “Epic of Gil- gamesh”, deemed as one of the oldest known works of literature dating back to around 2100-1200 BCE in ancient Mesopotamia. During the Abbasid Caliphate, Baghdad emerged as the centre of science, culture, literature, and the arts. The 10 th century historian Al Mas’udi observes, “In Baghdad, there was a street sto- ryteller who amused the crowd with all sorts of tales and funny stories”. Thereon, coffeehouses across the Arab World became not only stages for the hakawati , but hubs of intellectu- al and artistic life. In one corner, a storyteller held his nightly court; in another, poets, writers, and thinkers gathered in cliques, their animated debates garnering attention amidst the curious-minded. When cities be-

غدت المقاهي في العالم العربي مسارح للحكواتيّ، ومراكز نابضة بالحياة الفكريّة والفنيّة. ففي زاوية منها يعقد راو مجلسه اللّيليّ، وفي أخرى يتجمّع الشّعراء والكتّاب والمفكّرون في حلقات صغيرة، يخوضون فيها نقاشاتهم المحتدمة، التي تُثير فضول روّاد المقهى والمارّة وولعهم بالمعرفة.

“ Kalila Upbraiding Dimna ” , Folio from a Kalila wa Dimna, second quarter of 16 th century. Image courtesy of the MET Museum

At the same time, the Bedouin Arabs celebrated their oratory prowess, especially in poetry recitation, a dis- tinctive style known as “Nabati” poetry. Its focus on eloquence, memory, and performance, not to mention the tenderness between the lines, is a source of great pride. These poems embraced the fragility and expan- siveness of the human spirit. In some nuanced man- ner, oral storytelling also preserved the many pivotal

Kalila wa Dimna, 16 th /17 th century CE, Arabic. Image courtesy of Bayerische Staatsbibliothek, Cod. arab. 615, folio 28

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online