torath 310 - Sep 2025

فنون

امتداد تراثي بين : الأداء الحركي الذاكرة التاريخية والمشهد السينمائي

وهــو مــا انسجــم مــع الصــورة التي أرادت السينمــا ترســيخها. وفي )، تتأكـد الفكـرة نفسـها، حيـث يُُقـد ََّم 1990 فيلـم «الإمبراطـور» ( التعــبير الجســدي كوســيلة للهــروب مــن مشــاكل اقتصاديــة أو أسرية. وناد ار ما يتم تصوير هذا الفن كأداة للتعبير عن قضايا . مجتمعيـة أو أفكار ذات قيمـة رمزيـة أو إنسـانية تسر ّّبت تلك المفاهيم إلى الوعي العربي، ومع مرورالزمن تحو ّّلت إلى معتقدات راسخة، أسهمت في تكريس الجمود الذي فرضته العادات والتقاليد على الجسد الأنثوي، في انفصال واضح عن قـوانين الكـون القائمـة على الحركـة والتـوازن. ولـو عدنـا إلى تاريخ الحضــارات القديمــة، لوجدنــا أن الفــن الحركــي كان في أصلــه شكلا من أشكال التعبيرالإنساني، وج ُُهدا رياضيا لكل من المرأة ََّــه للنسـاء، وكل مـا والرجـل؛ فكل مـا ي ُُعـز ّّز طاقـة الأنوثـة كان ي ُُوج ويــشير ابــن عربــي إلى . ََّــم للرجــال يدعــم طاقــة الذكــورة كان يُُصم أن الكون كلّّه مبني على أوزان إلهية لا نهاية لح ُُسنها، وقد تجلّّت في الإنســان نفســه، إذ تتناســب أعضــاء جســده مــع الألحــان والنغمــات. فكل عضــو يطلــب بطبيعتــه حركــة تُُبقــي عليــه، لأن أصــل الحيــاة في الأرض قائــم على الحركــة والصــوت، وهمــا ســر . الديمومـة، أمـا السكـون فقريـن العـدم والمـوت إن النظــرة المجتمعيــة الســائدة تجــاه الفنــون الجســدية التي تمارســها المــرأة، فرضــت حالــة مــن الجمــود الــذهني والجســدي، خالفت طبيعة الجسد الإنساني المجبول على المرونة والانسياب. فكان لا بــد مــن تفكيــك هــذه الصــور النمطيــة المشــوّّهة التي رس ّّخهــا الإعلام، وحو ّّلــت التعــبير الجســدي مــن مســاحة للســمو والطاــقة، إلى بيــئة مغلــقة ي ُُنــظر إليــها ــمن زاوــية الإــغواء فــقط ولا شـك أن التعـبير الحركـي لا يحمـل في ذاتـه ضـر ار ولا ملامـة، بـل إن لـه فوائـد موثّّقـة للعقـل والصحـة النفسـية، وقـد أدرجـه الغــرب ضمــن البرامــج العلاجيــة في المستشــفيات، تحــت مــا Movement Therapy - MDT( يُُعرف بعلاج الحركة والرقص )Dance المرجع: . أيــاد محمــد حــسين وعامــر محمــد حــسين، «الرقــص الصــوفي ورمزيــة الحــركات 1 ، 4 ًًــا»، مجلــة مركــز بابــل للدراســات الإنســانية، المجلــد الراقصــة - المولويــة نموذج . 75 ، صفحــة 3 العــدد

واللاهوتيـة لبعـض النصـوص الدينيـة - ولا سـيما في المجتمعـات الشــرقية - في صــرف الباحــثين عــن الاهتمــام بهــذا الــشكل مــن التعــبير، باعتبــاره مظهــ ار مــن مظاهــر اللهــو، لا يليــق بالوقــار . المرتبــط بالمقــدّّس وقــد أدّّى هــذا الفــراغ الفكــري والبــحثي إلى أن تُُشــوّّه السينمــا العربيـة الفنـون الإيقاعيـة الجسـدية، مختزِِلـة إيّّاهـا في تفاصيـل الجسـد الأنثـوي، مبتعـدة عـن تقديمهـا ضمـن سـياقات ثقافيـة، . تاريخيــة، أو فلكلوريــة ذات قيمــة أصبح الفن الحركي في السينما العربية، ولا سيما المصرية، يُُرك ّّز على المـرأة وتفاصيـل جسـدها ضمـن سـياق اللهـو والإغـواء. وقـد مثّّل هذا التحوّّل الطارئ، البعيد كل البُُعد عن فلسفة الحركة التعبيريـة في الحضـارات القديمـة، انزلاقـا نحـو توظيـف الإيحـاء الجنؠسي كذريعة، ألقى بظلاله على المرأة وأسهم في ترسيخ حالة من الجمود الذهني والجسدي لديها، وجعلها تنظرإلى هذا الفن . باعتباره بيئة لا ي ُُسمح لها بالتفكير أو الاقتراب منها لقــد انحــرف مســار الأداء الجســدي في السينمــا العربيــة عــن جــذوره المجتمعيــة والثقافيــة. ويُُــشير ألكســاندر بوليكيفيتــش ّّــل فــوق طاقــة السينمــا إلى أن «تاريــخ هــذا الــشكل التعــبيري ح ُُم العربيــة بكل مفاهيمهــا العصريــة»، حســب تعــبيره. ويضيــف: «كل الأفلام كانت تتضمن مشـاهد حركية، لكنها ص ُُوّّرت بأسـوأ . صورهــا في ســبعينيات القــرن الماعضي» لقــد ركــزت السينمــا، خاصــة المصريــة، على المــرأة في موقــع «المؤديــة» وليــس «المُُبدعــة»، ولــم تُُظهرهــا إلا بصــورة مشــوهة أخلاقيــا وفكريــاًً. ونجحــت هــذه الصــورة النمطيــة في برمجــة الـوعي الجـمعي، وتوجيـه الذائقـة الشـعبية نحـو اختزال الحركـة . الجســدية في مفاهيــم الإثــارة الســطحية يتــجلى هــذا التوجــه بوضــوح في ثلاثيــة نجيــب محفــوظ ،) 1967 )، و«قصــر الشــوق» ( 1964 الروائيــة «بين القصريــن» ( )، حيـث تظهـرالمـرأة في صـورة ل ََعـوب هدفهـا 1973 و«السـكرية» ( الإــغواء والإــغراء. أما في فيلم السيرة الذاتية «شفيقة القبطية»، فقد وقع الاختيار على الفنانة هند رستم لأداء الدورالرئيؠسي، لا لأنها تتقن التعبير الجسـدي، بـل لأنهـا أيقونـة ارتبطـت في المخيـال العربـي بالإغـراء،

تظهــر معالــم الأداء الحركــي في تاريــخ الحضــارات القديمــة وفي الأفلام الوثائقيــة كوســيلة للتعــبير عــن مشــاعر الشخصيــات والأحداث والقضايا المرتبط بثقافة المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيــاًً، ومتأثــرة بالمعطيــات البيئيــة. ويعــد الأداء الحركــي عــاملا أساســيا في تجســيد أفكار وتاريــخ وأحــداث مجتمعيــة لــذا كان مقدســا في الحضــارات القديمــة حيــث يعــزز مــن سياســات وقرارات الحضارات ويحفظها من خلال الأداء الحركي. وقد عثر على نقــوش ورســومات وجداريــات وفخاريــات رســم عليهــا صــور آدميـة لمجموعـات مـن البشـروهـم يـؤد ّّون طقوسـا حركيـة، كانـت . كل منهــا ت ُُــعبر عــن أحــداث وقضايــا مجتمعيــة وتــم تخصيــص عــروض حركيــة خاصــة لكل مــن المناســبات الدينيــة والدنيويــة. أمــا التعــبيرات الحركيــة الدنيويــة، فهي مرتبطــة بالحيــاة السياســية والاجتماعيــة والاقتصاديــة، التي تتيــح للمجتمــع أشكالا مــن الاحتفــال على مــدار العــام. ومــن بين هــذه العــروض: أداءات الأفــراح، والاحتفــالات بالزفــاف، والختــان، والمواليــد، وكذلــك العــروض الملكيــة (كأداء تنصيــب الملــوك، واســتعراضات النصــر)، إلى جانــب التعــبيرات القتاليــة . (كاســتعراضات الفرســان، ومشــاهد المجــد والانتصــار) أمـا فيمـا يخـص العـروض ذات الطابـع الـديني، فهنـاك الأداءات الجنائزيــة الخاصــة بالملــوك، التي تــعبّّر عــن رحيــل الأرواح إلى مواطنهــا المقدّّســة، وأداءات القربــان التي كانــت تُُقــام تقرّّبــا إلى الآلهــة، وتلــك المرتبطــة بطقــس الاستســقاء، الــذي يُُقــام بغــرض طلــب المطــر في مواســم الجفــاف. وت ُُعــد هــذه العــروض أقــرب إلى الابتهــالات، والأدعيــة، والمناجــاة، التي تهــدف إلى وصــل الأرض بالسـماء. ولأهميـة هـذه التعـبيرات الحركيـة في تاريـخ الحضـارات القديمــة، كانــت هنــاك فــرق متخصصــة، معتمــدة في القصــور . ََّــف لأغــراض دينيــة ودنيويــة الملكيــة، تُُوظ في العصــر الحديــث، غالبــا مــا ي ُُرتبــط الأداء الحركــي بالمناســبات الدنيويـة كالاحتفـالات والأعيـاد، ولـم يعـد لهـذا الفـن قيمـة تُُذكـر في المجتمعــات الشــرقية بوصفــه طقســا دينيــاًً، باســتثناء ظهــوره

نورة صابر المزروعي أكاديمية من الإمارات

ضمن ما يُُعرف بالتصوف الحركي - كما يراه جلال الدين الرومي ًًا - حيــث يتجــاوز الإنســان مــن خلالــه حــدود الأنــا والــذات، عابــر نحـو المعشـوق الأزلي والفنـاء فيـه. ويُُعـد هـذا الـشكل مـن التعـبير الجسـدي امتـدادا لجـذور ضاربـة في تاريـخ الحضـارات القديمـة، إذ اســتُُخدمت الحــركات الإيقاعيــة آنــذاك وســيلة لمناجــاة الإلــه . ) 1 ( والتواصـل مـع الغيـب إن العــروض الحركيــة الشــعبية، وخاصــة تلــك ذات الطابــع الفلكلــوري، تمتــد جذورهــا في عمــق التاريــخ، وتعكــس ثقافــة المجتمـع وهويتـه الجمعيـة. فـعلى سبيـل المثـال، إن أداء العيالــة ليـس سـوى محـاكاة لفنـون القتـال الجمـاعي، ولـه امتـداد تـاريخي في شـبه الجزيرة العربية. فهو اسـتعراض تقليدي تؤديه القبيلة المنتصــرة بعــد المعــارك، تــعبّّر مــن خلالــه عــن فرحــة النصــر، ّّــد فيـه معانـي القـوة، والفروسـية، والمـروءة، والتلاحـم بين وتُُجس . أفــراد القبيلــة الواحــدة، وتماســكهم في مواجهــة العــدو ًًا وفي الوثائق والأبحاث العربية، ناد ار ما يُُمنح الفن الحركي بُُعد دينيـاًً، إذ يُُتنـاول غالبـا في سـياق دنيـوي وترفـيهي، ومـن المؤسـف أن ي ُُــختزل في إطــار اللهــو والتســلية. ولــم يعــد لهــذا الفــن حضــور ي ُُذـكـر مقارــنة بمكانــته في الحــضارات القديــمة. كمــا تفتقــر المكتبــة العربيــة إلى دراســات جــادة تتنــاول الحركــة التعبيرية، وأبعادها الرمزية، ودورها في سرد القصص من خلال الجســد. وتكاد تنعــدم الأبحــاث التي تربــط بين تطــور الفنــون الحركية والثقافات المجتمعية، إذ أسهمت التفسيرات الفقهية

105

104 الأداء الحركي امتداد تراثي بين الذاكرة التاريخية والمشهد السينمائي

2025 سبتمبر 310 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online