torath 310 - Sep 2025

التراث التربوي

خصوصية الكتابة للطفل تشير ثقافة الطفل إلى كل ما ي ُُقد ََّم له من موضوعات مكتوبة أو شفهية، تُُصاغ خصيصا لتلائم حاجاته الفكرية والنفسية. وبما أن الطفولة تمر بمراحل نمائية متعدّّدة، تبدأ بمرحلة التمركزحول الذات، ثم الانتقال إلى بناء العلاقات مع الأقران، فمرحلة الشعور بالحاجة إلى الآخرين، فإن الثقافة الموج ّّهة للأطفال ينبغي أن تراعي هذه المراحل جميعها، على اختلاف خصائصها وتوجهاتها، مع الإقرار بخصوصية كل مرحلة منها، وتنوّّع أساليب الكتابة المناسبة لها. وتُُشكّّل ثقافة الطفل قاعدة أساسية لبناء الوعي، وتعزيز القدرة على التأقلم، والانخراط في المجتمع، واكتساب المعرفة والفنون، وفهم تفاصيل الحياة. وبناء على ذلك، لا تقتصر العناية بالطفولة على الرعاية الصحية فقط، بل تتطلب توفير وسائل تغذية فكرية وروحية سليمة أيضاًً، تصمم بعناية من قِِبل خبراء في التربية وعلم النفس والاجتماع. وقد أصاب الكاتب محمد نجيب عندما أكد على ثلاثة اعتبارات إذا أردت أن تكتب للأطفال: «التربوية، والفنية .» ) 2 ( العامة، والفنية الخاصة من مثل القصة والشعروالمسرح وهذا يعني أن أدب الطفل يلعب دوار مهما في ثقافة الطفل وتثقيفه، حيث لا يكتفي هذا الأدب بإمتاع الطفل والنهوض

بذائقته اللغوية والجمالية وتوسيع خياله، وإنما يتجه إلى تقديم وجبة ثقافية يسيرة عبرالأدب والفن أيضا ًً. نستنتج من ذلك: أن أدب الأطفال هوعمل تربوي فني ولكل دوره في العمل الإبداعي، وهذا الرأي يشمل التذوق ومخاطبة الوجدان وتعزيز القيم والحرص على إثارة الخيال، والابتكار وغير ذلك. فأدب الأطفال من أصعب أنواع الكتابات، فهو يهدف إلى تعليم اللغة العربية وتنمية الجانب المعرفي والتفكير الخلاق والأحاسيس والمشاعر والمهارات والذوق الفني والخيال العلمي، وبناء الشخصية ومعالجة بعض الأمراض وفهم الحياة، وتهذيب النفس، وتنمية روح النقد البناء، والتدريب على التعبير، ومواجهة مشكلات الحياة، والنهوض بالذوق وتسريب المتعة والسعادة وتعزيز القيم بأنواعها، ونشر الثقافة وغير ذلك. إن ما ذ ُُكر من أهداف - وهي مجرد غيض من فيض - يدفعنا إلى رفض الصورة النمطية البسيطة والساذجة التي حاول بعض الكتّّاب إلصاقها بأدب الطفل، حين ألبسوه ثوبا خرافيا مطراز بالخطابية والمباشرة والطرح الفج، فشوّّهوا بذلك عقل الطفل، وحد ّّوا من قدراته الذهنية والتخيلية. وفي مواجهة تساؤلات بعضهم حول مفهوم «النموذج»، نقول إن النموذج المنشود هو الذي يلتزم بالمعايير والمفاهيم التي وضعها الباحثون والدارسون لأدب الأطفال الجيد، من

دور التراث في إثراء أدب الأطفال وتشكيل هويتهم الثقافية

هيثم يحيى الخواجة فرض العصرالحديث اهتماما نوعيا بأدب الأطفال، حيث بات يشغل بال الدارسين والباحثين والعلماء وجماعة التربية من أجل طفل المستقبل. ففي هذا الأدب فوائد لا تعد ولا تحصى لبناء شخصية الطفل وفكره، وهذا ما منحه خصوصية، بسبب ما يحتاجه كاتب الأطفال من مكنة ومهارة وقدرات وطهر وصفاء. وإذا كان علماء النفس قد أقر ّّوا بذكاء الطفل وقدراته الاستثنائية، فإن هذا الإقرار ينبغي أن يكون منطلقا لاحترام أدب الطفل وتقدير قيمته، والابتعاد عن الاستهانة به أو التعامل مع الإبداع فيه بخفة أو تساهل، مهما كان جنسه الأدبي. إن أدب الأطفال الذي يركّّز على الجوهر هو وحده القادر على الخلود، لأنه الأدب الذي ينفع الطفل، ويغذّّي فكره، ويُُسهم في بناء شخصيته. ولا يمكن لثقافة الطفل أن تواكب العصر ما لم تستمد من الواقع مادتها، وتلقي عليه ضوءا كاشفا يساعد الطفل على التسّلّح بالإيجابيات في مواجهة ما يحفل به الواقع من سلبيات ومعوّّقات. ومن هذا المنطلق، يُُصبح من الضروري أن يمتلك الكاتب وعيا عميقا بالواقع، وقدرة على تحليله برؤية شمولية تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، دون أن يغفل القيم أو يغادر عوالم الفن والتشويق والمتعة. كما ينبغي أن يُُراعى في هذا الأدب مستويات إدراك الطفل، مع اعتماد اللعب كوسيلة محورية لتوصيل الأفكار وجذب الطفل إلى عالمه الأدبي. تقول الدكتورة سوزانا ميلر في كتابها (سيكولوجية اللعب): «عند ملاحظة جماعات صغيرة من الأطفال في سن ما قبل المدرسة وجدناها في أغلب الأحيان تلعب في البداية بمفردها مثلما تفعل القردة حديثة العهد بالحياة، فهم يلعبون بالدمى .» ) 1 ( ويستكشفون ما حولهم أو يعبثون بأشياء متناثرة

107

106 دور التراث في إثراء أدب الأطفال وتشكيل هويتهم الثقافية

2025 سبتمبر 310 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online