torath 310 - Sep 2025

ذاكرة البراري

ِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــلان كِِليْْهِِمـــــــــــــــــــــــــــــا ُُتََــــــــــــــــــــــــرََى ط ََرََفيـــــــــــــــــــــــــــــه يعس

محاولة لإبعاده أو اتقاء شرّّه، أو ربما اتّّقاء اسمه ذاته. ومن اللافت للنظر أن بعض الروايات الجاهلية ذهبت إلى أبعد من ذلك، حين اعتقد العرب أن الجن قد تتخذ الذئب مطية، فتجوب به الأرض كما يطير الطائر فوق الريح، وهو ما يعكس المكانة الغرائبية التي شغلها الذئب في المخيال العربي. ويأتي كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب»، لمؤلفه شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، من أكبر الموسوعات الأدبية التي جمعت بين تصنيفات شتى، والكتاب يأتي ضمن قائمة المصنفات التراثية التي تضمنت نصوصا عن الذئب. وتتجل ّّى هذه الصورة في الكثيرمن المصنفات التراثية الكبرى ومنها: كتاب «الحيوان» للجاحظ، وكتاب النويري، الذي قدّّم فيه مادة غزيرة حول الذئب، جمع فيها أقوالا مأثورة وأبياتا شعرية، كما سرد أسماء الذئب وصفاته التي عرفها العرب، ومنها: «ذََكََرُُه ذئب، والأنثى ذئبة وسِِلْْقة وسِِيدانة، ويُُكنَّّى أبا جََعدة. ومن أسمائه أيضاًً: نََهشََل، وأوََيس، وذُُؤالة، وأُُشْْبََة، ونُُش ْْبََة، وكََساب، وكُُس ََيْْب، والعََسعاس، والعََس َّّاس، والخ ََيْْعل، والع ََم ََلَّّس، والع ََس ُُول، والَّنُّسُول، والخاط ِِف، والأزََل ّّ. ومن صفاته الأََرس ََح وهو: القليل لحم الوركين، والع ََم ََرَّّد. ويُُقال لولد الذئب: ج ُُرْْمُُوز. والأُُنثى: ج ََعْْدة». وغيرها من الأسماء التي تعكس تنوّّع صوره وعمق حضوره في اللسان العربي. ولم يقتصر النويري على عرض الأسماء، بل روى عن سلوك الذئاب ما يثيرالتأمل، إذ أورد أن الذئب إذا أجهده الجوع عوى فاجتمعت له الذئاب، فإذا تراجع أحدها وثب عليه الباقون وافترسوه. كما ذكر أن الذئب إذا واجه إنسانا وخشي عجزه عنه، عوى ليجذب سواه من الذئاب، فإن سال دم أحدها، تهاجم البقية الذئب الجريح وتترك الإنسان. وهو ما أشار إليه ًًالفرزدق في بيت شهير يعاتب فيه صديقا خانه في محنته: ََّـــــــــــــــــا رأى دمــــــــــــــــــــــــــــــا ِِوك ُُنــــــــــــت كذئــــــــــــــــــــــب الس ُُّوء لم بصاحبــــــــــــــــــــــــه يومــــا أحــــــــــــــــــــــــــــــال علــــــــــــــــــــــــــــــى الــــــــــد ََّم ذئب الحكمة وقد أبدع الشعراء العرب في تصوير الذئب، وتناولوا طباعه بشيء من الدقة والدهشة؛ يقول الشاعر ح ُُميد بن ثور في ٍٍوصف يقظة الذئب المتحفزة: ُُونمت كنــــــــــــــــــوم الذئــــــــــــــــــب عــن ذي حفيظــــــــــــــــــــة أكـلــــــــــــــــــــــــــــــــــــت طعـــامــــــــــــــــــا دونــــــــــــــــــــــــه وهــــــــــــــــــو جـــــــــائع

ُُــــــــــــــــــود النََّبعــــــــــــــــــة المُُتتابـــــــــــــــع كمـــــــــــــــــــــــا اهتــــــــــــــــــــــــز ع

ُُينــــــــــــــــــــــــــــــــــــام بإحـــــــــــــــــــــــــــدى مقلتيـــــــــــــــــــــــــــــــــه ويتََّقِِـــــــــــــــــــــــــــي

ِِــــع بأ ُُخـــــرى المنايــــــــــــــــــــــــــــــا فهــــــــــــــــــــــو يقظـــــــــــــــــــان هاج إنها صورة لكائن يتقن الحذر، يتغذى على الترقب، ويتربص في الظل، ينام بعين ويستيقظ بالأخرى؛ مخلوق متوتر كأنه ظل للموت أو حارس للغموض. ويصف الشاعر الأندلسي إبراهيم بن خفاجة الذئب بملامح

ٍٍدقيقة تمزج بين الحذر والمراوغة، إذ يقول: ولّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرب روََّاغ هنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالـك أنبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــط

ذلِِــــــــــــــــــــــــق المسامِِــــــــــــــــــــــــــــــــــع أطلــــــــــــــــــــــــــس الأطمــــــــــــــــار

شيطانا أو حكيما في هيئة مفترس. ومن خلال هذه الرحلة الأدبية والموروثية، يتجلى الذئب كمرآة للإنسان، ومفتاح لفهم العقل العربي في اشتباكه مع الطبيعة والأسطورة والذات. الخاتمة إذا تأملنا هذا الحضور الكثيف والمتنوع للذئب في المدونة العربية، أدركنا أن الذئب لم يكن مجرد حيوان بري يعيش في البراري، بل تحوّّل إلى صورة ثقافية مشبعة بالدالالت، تنعكس فيها رؤى العرب عن الذات والآخر، عن القوة والمكر، عن العزلة والانتماء، وعن حدود الطبيعة وحدود الأسطورة. لقد شكّّل الذئب في الوعي العربي مرآة رمزية للإنسان العربي ذاته، بما يحمله من شراسة ونجدة، من فطنة وغريزة، ومن قدرة على النجاة وسط صراع الطبيعة والمجتمع. وهكذا، يصبح الذئب شاهدا لا على خيال الشعوب فحسب، بل على تطور وعيها وهويتها، وعلى قدرتها في تحويل الطبيعة إلى معنى، والخطر إلى حكاية، والبرية إلى رمز كاتب مصري المصادر والمراجع: . كتاب «الحيوان» لمؤلفه عمرو بن بحر، الجاحظ «أبو عثمان»، تحقيق: 1 عبدالسلام محمد هارون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، . 1965 طبعة عام . كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري، تحقيق: الدكتور 2 . 2004 مفيد قميحة، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، طبعة عام . 274 . كتاب «الذئب في العلم والتاريخ»، سلسلة كتاب مجلة «العربي»، العدد 3 . كتاب «الذئب في الأدب القديم»، زكريا عبد المجيد النوتي، إيتراك للنشر 4 . 2004 والتوزيع، القاهرة، . كتاب «الذئب في الأدب العربي»، فضل بن عم ََّار العم ََّاري، إدارة النشر العلمي 5 . 2012 والمطابع بجامعة الملك سعود،

مجرد حيوان في المتخيل الجمعي، بل تحوّّل إلى أيقونة أدبية وشعرية، ترددت أصداؤها في دواوين الشعراء، ونصوص الأدباء، وموسوعات التراث، حيث حفلت بها مئات المؤلفات. ِصت دراسات ونصوص نقدية لتوثيق ما قيل عن �ِّ فقد خُُص الذئب في الأدب العربي، ومن بين هذه المؤلفات نقرأ: «الذئب في الأدب العربي»، و«الذئب في العالم والتاريخ»، و«تجليات الذئب في الشعر العربي»، و«صفات الذئب عند العرب»، وغيرها كثير. وتبرز هذه الصورة في نصوص سردية متعددة أيضاًً، ما بين دواوين شعر، وروايات، ومسرحيات، وقصص للأطفال، نذكر منها: ديوان «ما أجملك أيها الذئب.. جائع وتتعفف عن الجثث» لقاسم حداد، ورواية «ذئب وحيد» لإبراهيم أحمد عيسى، وديوان «ذئب ي ُُحار في وداعته» لسهام محمد قاسم، ورواية «ذئب الله» لجهاد أبو حشيش، وديوان «أنا الذئب يا يوسف» لصلاح بوسريف، ومسرحية «الذئب التائه» لأحمد سراج. كما لا يمكن تجاهل الحضور اللافت للانتباه للذئب في المؤلفات الإماراتية، لا سيما تلك التي تعالج المعتقدات الشعبية، والأساطيرالمحلية، والقصص الموجهة للصغارواليافعين. وبعض هذه الإصدارات حازجوائزمرموقة، مثل رواية «طعم الذئب» لعبد الله البصيص، الفائزة بجائزة الشارقة لأفضل كتاب عربي في الرواية. ولم يغب الذئب عن صفحات الأدب العربي القديم، فقد حضر في كتاب «الحيوان» للجاحظ، و«نهاية الأرب في فنون الأدب» للنويري، وبرزكرمزفي ملحمة جلجامش، أحد أقدم النصوص الأدبية في التاريخ. وهكذا، فإن الذئب لا يُُختزل في صورته البيولوجية فحسب، بل يتجاوزها ليصبح رماز ثقافيا متعدد الوجوه: مرة محارباًً، ومرة خادعاًً، ومرة أبا بديلاًً، وأحيانا

ََــــــــــــــــــــه يجـــــــــــــــــــــــري علــــــــــــــــــى حـــــــــــــــــــــذر فيََجم ََــــــــــــع بََس ْْط

ُُــــــــــــــــــــــــــــــوار يََهـــــــــــــــــــوي فينعطــــــــــــــــــــف انعطـــــــــــــــــــــاف س هذه الأبيات ترسم صورة لذئب خفيف السمع، شديد الاحتراس، يطوي الأرض بخفة، ويتراجع كما ينثني السوار، مما يعكس قدرته على المراوغة والمناورة. ومن الشعر إلى الأمثال، يتجلى حضور الذئب في الموروث الشعبي العربي، حيث تقول العرب: «أحمق من جهيزة»، ويُُقال إن جهيزة هي عِِرْْس الذئب، لأنها كانت تترك أولادها لترضع ّعان بقوله: �ِّ ْْأولاد الضبع. وهو ما أشار إليه ابن ج ِِذل الط كمرض ِِعــــــــــــــــــــــــة أولاد أُُخـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرى وض ََيََّعََــــــــــــــــــــــــــــــت

بنيهــــــــــــــــــا ولــــــــــــــــــــــــــــــم تََرقََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع بذلك مََرْْقََعـــــــــــــــــــــــــــا

ًًويعــــــــــــزز هذا المعنى بيت شعري آخر: ُُكانـــــــــــــــــــــــــــــــــوا كتاركـــــــــــــــــــــــــــة بنيهــــــــــــــــــــــــــــــــــــا جانـــبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

ِ وت ُُرضــــــــــــــــــــــِِع �ِّ سفهــــــــــــــــــــا وغيرََهُُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم تََــــــــــــــــــــــــــــــــــــرُُب وفي المرويات الشعبية، تتكرس صورة الذئب بوصفه كائنا غامضا متداخلا مع الخرافة، حتى إنهم قالوا إن الضبع إذا قُُتلت، يأتي الذئب لأولادها بالطعام! ويُُنسب هذا الاعتقاد إلى ٍٍما أنشده الكُُمََيْْت: كما خامََــــــــــــــــــــــــرََت فــــــــــــــــــــــــي ح ِِض ْْنِِهــــــــــــــــــــــــا أم عامــــــر لََد ََى الح ََبْْـــل حتــــــــــــــــــى عــــــــــــــــــال أوس ع ِِيالََهــــــــــــــــــــــــــا ًًا والأوس هنا كنية للذئب، مما يُُضفي عليه بُُعدا إنسانيا ساخر ومفارقا في آن. رمزية الذئب وإذا ما تجوّّلنا في المكتبة العربية، نلاحظ أن الذئب لم يكن

113

112

2025 سبتمبر 310 / العدد

الذئب في الذاكرة العربية: حضور يتجاوز الغابة

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online