مزن الشعر
صيف الشعراء ووجدانية المقيظ
واحة العين
خالد صالح ملكاوي يُُشكل المقيظ في الذاكرة الإماراتية موسما مركيزّّا في دورة الحياة الاجتماعية والثقافية، يحمل دلالات مزدوجة بين البهجة والانفراج من حر المدينة، وبين الفقد واللوعة لمن تخل ّّف عن الركب أوفارقه المحب ّّون. فمناطق المقيظ، بظلال نخيلها وجداولها الباردة ومجالسها العامرة، كانت تشكّّل عالما موازيا للحياة، تفيض فيه الألفة والمودة. لكن، في المقابل، كانت هذه الرحلات الصيفية تُُمزّّق قلوب العشاق، فتُُشعل فيهم وجع الفراق، وترسم في وجدانهم خطوط الشوق والانتظار. فلم يكن المقيظ مجرّّد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل كان تحوّّلا زمنيا ومكانيا في إيقاع الحياة، تتبدّّل فيه الملامح وتُُعاد فيه صياغة اليومي وفق نسق موسمي يفيض بالمعاني. كان لحظة توقّّف واستراحة من صخب المدينة وقيظها اللاهب، وفرصة للتواصل مع الأرض والماء والنخيل، ومناسبة للانغماس بصلة الرحم والتآلف الإنساني، فتتبدّّد المسافات بين الناس في ظل المجالس العامرة والأشجار
الوارفة. ولئن كان هذا الفصل يحمل معه ارتياحا بيئيا للروح، فإنه في الوقت ذاته يفتح أبوابا للفقد والحنين، إذ لا تمر مواسم الظعن والغياب من دون أن تخلّّف أثار في القلب، ولا تعود القوافل من دون أن تترك في الطريق صدى لأقدام المودّّعين، ودمعا انساب على أطلال الراحلين. وقد التقط الشعراء ببلاغة ورهافة هذا التحول الموسمي، بين لحظة الظعن عند بداية المقيظ، وبين لحظة العودة بعد انتهائه، فرسموا صوار شعورية أنتجتها حركة الأحبة الراحلين، والمحبين الباقين، ونسجوا مشاهد من الدمع والحنين وخضرة الواحات تكشف عن حساسية عالية تجاه تغيّّرات المواسم، وتفاعل وجداني مع المكان ومن يعمُُره، وتمنحنا فرصة لرؤية كيف تتحوّّل تفاصيل الحياة اليومية إلى لحظات شعرية عابرة، لكنها خالدة في الذاكرة الجمعية، تجعل موسم المقيظ ليس مجرد فصل، بل تجربة وجودية تشطرالروح بين صيف عامر بالحياة، وخريف يغيب فيه الوهج خلف الأثر. سيميائية الاستعداد ينقلنا الشاعرسعيد بن محمد بن هلال الظاهري إلى لحظة ما قبل انطلاق الرحلة إلى المقيظ، حيث تتأهب النساء وتُُحض ََّر
دائم لا يتغير، ليبث الشاعر نداءه عبر رسالة حب وسلام لمن افترق عنهم رغما عنه: ْد تكــــــــــــــــــــــــلاف �ّْ لــــــــــــــــــــــــــــــو صابنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي م الــــــــــــــــــــــــــــــــــــو ْْمحمــــــــــــــــــــــــول ث ِِق ْْل ََــــــــــــــــــــــــه لــــــــــــو بــــــــــــــــــــــــي امحيــــــــــــــــــــــــــــــــــــن يــــــــــــــــــــــــوم اظعنــــــــــــــــــــــــــــــــــــو فــــــــــــي وقــــــــــــــــــــــــت ل ََص ْْي ََــــــــــــاف يــــــــــــــــــــــــوم العــــــــــــــــــــــــرب لِِلْْقََيْْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــض ناويــــــــــــــــــــــــــــــــــــن ّــــــــــــــــــــــــــــــــــــع اِِنصــــــــــــــــــــــــاف �ِّ علــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى طعايـــــــــــــــــــــــــــــــــــم ط ِِب شــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ّّوا وشامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا بالمحبّّيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن مــــــــــــــــــــن دون شــــــــــــــــــــــــور وچلمــــــــــــــــــــــــــــــــــــة انصــــــــــــــــــــــــاف قََفّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا وخلّّونــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا محازيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن متشـــــــــــــــــــــــــــــــــــوف دمعـــــــــــــــــــــــي چيــــــــــــف نََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزّّاف علــــــــــــــــــــــــــــــــــــى زمــــــــــــــــــــــــــــــــــــان مََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر یازیــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن روحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي جــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا لارواح مــــــــــــــــــــــــــــــــــــولاف وانتــــــــــــــــــــــــــــــــو عـــــــــــــــــــــن الش ّّاجيــــــــــــــــــــــــــــــــــــن لاهيـــــــــــــــــــــــــــــــــــن القيــــــــــــــــــــــــــــــــــــض لــــــــــــــــــــــــي فََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرَّّق بالــــــــــــــــــــــــــــــــــولاف ْْونحنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ابليعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات المود ّّيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن ََـــــــــــــــــــــــــــــــــاف واتْْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلا ســــــــــــــــــــــــــــــــــــلام لــــــــــــــــــــــــــــــه ابْْتِِلْْط علــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى الــــــــــــذّّي بالـــــــــــــــــــــــــــــود صافيــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
الهجن في مشهد ملوّّن بالحركة والأزياء والفرح. يصف الأغطية القطنية للركوبة الصفراء من النياق الصغيرة الأصيلة، والبشاشة التي تعلو وجوه النساء، ويشاركنا صوت الحمام كشاهد على لحظة التحول الكبرى من السكون إلى الرحيل: یــــــــــــــــــــــــا الراعبـــــــــــــــــي فــــــــــــــــــــــــي نايــــــــــــــــــــــــــــف العــــــــــــــــــــــــــــــود تلعــــــــــــــــــــــــــــــــــــي طــــــــــــــــــــــــرب وتْْعــــــــــــــــــــــــــــــــــــد الأصــــــــــــــــــــــــــــــوات وتبغــــــــــــــــــــــــــــي الثنــــــــــــــــــــــــا مـــــــــــــــــــــع كــــــــــــــــــــــــل مشهــــــــــــــــــــــــود فرحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان بوْْصــــــــــــــــــــــــــــــــــول الكرّّيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات يــــــــــــا سعـــــــــــــــــــــــــــــــــد مــــــــــــــــــــــــن شلّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــه علـــــــــــــــــــى ذود صفــــــــــــــــــــــــــــــــــــرا لهــــــــــــــــــــــــا م الهيــــــــــــــــــــــــــــــــــــن بنّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات إن روّّحــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا بــــــــــــــــــــــــــــــــــــه وانتــــــــــــــــــــــــــــــــه تْْقــــــــــــــــــــــــــــــــــــود م ْْـــــــــــــــــــــــــــــن الدجــــــــــــــــــــــــــــــــــــر تضربــــــــــــــــــــــــــــك كيفـــــــــــــــــــــــــــــــات فــــــــــــــــــــــــــــــــوق المطـــــــــــــــــــــــــــــــارح دوشــــــــــــــــــــــــق عــــــــــــــــــــــــــــــــــــود ّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرب بْْفاقــــــــــــــــــــــــــــــــــــات حريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر ومض الرحيل بلا وداع ويبوح الشاعر حمد بن عبد الله العويس بمرارة الفقد عند بداية موسم المقيظ، حين تفاجأ برحيل الأحبة من غيروداع، من غير «كلمة انصاف»، فاختلط شجن الانفصال بعشق
115
114
2025 سبتمبر 310 / العدد
صيف الشعراء ووجدانية المقيظ
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online