torath 310 - Sep 2025

الوعل العربي: من أسطورة التراث إلى رمزية المعنى

الوعل بين الأسطورة والشعر لحيوان الوعل مكانة مقدسة تشوبها الأساطير والألغاز عند الأمم القديمة عامة، والعرب خاصة؛ حيث نظرالإنسان القديم إلى الجبال التي تصعد إليها الوعول بهالة من التقديس؛ ففيها تسكن آلهته التي تهبه البركة، فاعتقد الإنسان القديم بالوََع ِِل، بصفت ِِه رم از من رموزالمطروالخ ِِصب، وأفضل قربان للآلهة في معابد جنوب الجزيرة العربية خاصة، إلى جانب شكل قرونه الملتوية التي تشبه تدوير الهلال والقمر، فكان الرمز الحيواني المقد ََّس للإله (القمر)، ورم از مقد ََّسا للإله (عثتر) إله المطر عن أهمية الوََعل في البحث عن المناطق ا والخِِصب، فضلًا المطيرة ذات العشب الأخضر، كما ارتبط اسم الوعل بالصيد ِعر الجاهلي؛ �ِّ الم ُُقد ََّس. وتجس ّّدت تلك الأفكار الع ََق ِِدية في الش . ) 4 ( من حيث منعة الوعل بالجبال، ونزوله أثناء المطر فهذا الشاعر النابغة الذبياني لم يجد لنفسه بََعْْد وعيد النعمان بن المنذر، وتهديدِِه، مكانا آمََن من مسكن الوعول، ومصنع الأمطار، فيشبّّه منعته في تلك الأماكن العالية بمِِنعة : ) 5 ( ِِالوعول العُُص ْْم التي تعتصم في الجبال، فيقول وح ََل َّّــــــــــــــــــــــــت ب ُُي ُُوت ِِــــــــــــــــــي ف ِِي ی ََف ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع م ُُم ََن َّّــــــــــــــــــــــــــــــع ِِــــــــــــــــــــــــي الح ََمُُولََــــــــــــــــــة طائِِــــــــــــــــــرا ََــــــــــــــــــال بِِــــــــــــــــــــــــه رََاع ِِت ََخ ََــــــــــــــــــــــــن قُُنُُفََاتِِــــــــــــــــــه ْْــــــــــــــــــــــــم ع ُُــــــــــــــــــول العُُص ًًتََزِِل الوُُع ِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ذُُرََاه بالس َّّحـــــــــــــــــــــــــــــاب کوافِِــــــــــــــــــــ ار وتُُض ْْح يُُعد «الوعل العربي» من الرموز البارزة في الذاكرة البيئية والثقافية للجزيرة العربية، لما يحمله من دالالت عميقة على الحرية والجلد والارتباط العميق بالطبيعة الجبلية الوعرة. ولم يظل الوعل محصوار في بيئته الطبيعية، بل تجاوزها ليحضرفي فضاءات الآداب والتراث الشعبي والسردي الشفهي كالحكايات الشعبية وقصص الصغار. ظهرالحيوان بأجناسه المتعد ّّدة في رسوم الحضارات القديمة ونقوشها، وأساطيرها كائنا م ُُقد َّّسا يُُتََع َََّبُّد به، وفي جبال الجزيرة العربية وصخورها حظيت رسومات الحيوان ونقوشه بنصيب وقد ) 6 ( وافر؛ منها رسومات الثور، والخيل، والجمال، والوُُعول ق َّدَّس العرب الحيوانات، وجعلوا لها أصناماًً؛ منها «نسر» على صورة الطائرالنسر، و«يغوث» على هيئة الأسد، و«يعوق» على . وكان أن جعلوا لهذه الأصنام وظيفة رئيسية ) 7 ( صورة الفرس في حياتهم «... نعبدُُها، فنستمطِِرها فتمطرنا، ونستنصرها ». وقد مثَّّلت هذه الأصنام معبوداتهم الكونية؛ ) 8 ( فتنصرنا

الوعل العربي.. الحكاية التي سكنت الجبال

مروان محمد الفلاسي أطلق العرب على الحيوانات أسماء تنبع من صفاتها، أو أدوارها، أو من ارتباطها بمكان أو زمان معين، وغالبا ما حملت هذه التسميات دلالات رمزية تفوق البُُعد الوصفي أو النعتي، فالأسماء في الثقافة العربية تمثل نوعا من الأسطورة المختزلة في لفظ، والعمل على الأسطورة يعني - في لحظة ما - الاشتغال على . ومن هنا جاءت تسمية الوعل، ساكن ) 1 ( الأسماء ذاتها الجبال، مشبعة بدلالات العزّّة والمنعة والخلود والسمو، فاشتقوا من اسمه مفردات تدل على المكان الحصين، فقالوا: الوعلة للمكان العالي المنيع في الجبل، أو الصخرة المشرفة عليه. وقيل: استوعل الوعل إذا احتمى بأعلى الجبل، واستوعلت الأوعال إذا صعدت قمم الجبال. والوعل: هو تيس الجبل، وذكر الأروية، وهي لا تسكن السهول، بل تعيش في قمم الجبال الوعرة، وقد ألصقوا اسم الوعل بالجبل فقالوا: الوعل هو تيس الجبل، تعبي ار عن ارتباطه . ) 2 ( الوثيق بالمكان المرتفع الوعر يعرف الوعل العربي، بأنه «حيوان جبلي، يشبه الماعز في مظهره العام، يمتاز الحيوان بقرنين معقوفين سم تقريبا وتوجد خصلة 45 للخلف يصل طولهما إلى شعرية تحت الذقن تشبه اللحية وللذكر عرف من الشعر على منتصف الظهر، لون الشعر بني داكن والأطراف قوية وقصيرة، وموطنه في المناطق الجبلية على امتداد سلسلة جبال مدين والحجاز والسروات كما يوجد في جبال أجا وسلمى ومحمية الوعول في .» ) 3 ( وسط المملكة

من شمس ونجوم وغيرها، واستمد ّّوا هذه ال ُّص َّوَر من «العالم الميثولوجي» عالم الكواكب على النحو الذي تصو َّّروه وطبعوه في أفهامهم، وما كان يقابله في عالمهم المادّّي من حيوان، . ) 9 ( ونبات، وطير الوعول وتمثلات الذات - لا يُُظهر الوعل قوّّته في الهجوم بل في الممانعة، فهو لا يبحث عن الصراع، لكنه حين يضطر، يدافع عن نفسه بشجاعة، هذا هو النموذج الأخلاقي الذي وجده الشاعر فيه الكائن النبيل الذي لا يظلم، ولكنه لا ي ُُذل، هذا هومعنى القوة في التراث العربي: قوة الموقف، لا البطش. - يُُوحي الوعل بشيء من الزهو الإيجابي، لا الغرور. ولذلك، وظفه كثير من الشعراء العرب كأيقونة للذات المفكرة، المتأملة، الصامتة، التي ترى من فوق ولا تهبط لتتدحرج في صغائر الأمور. وقد رسم كثير من الفنانين المعاصرين في الإمارات والسعودية واليمن لوحات للوعل تتجاوزالطبيعة إلى الميتافيزيقا، فتجعله ظلا للروح، أو هيئة للكبرياء، أو تمثيلا للتراث العريق.

21

20 الوعل العربي.. الحكاية التي سكنت الجبال

2025 سبتمبر 310 / العدد

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online