torath 310 - Sep 2025

الوعل العربي: من أسطورة التراث إلى رمزية المعنى

لم تكن قرون الوعل تُُعلََّق في دكاكين الجزارين، بل في خيام يُُزََّن بها المجالس البدوية، بوصفها رماز للفخر الشعراء، وت والسكينة والسمو. ختاماًً، لا يشبه الوعل سائر كائنات البرية؛ حيث له تميزه وخصوصيته فهو يرتبط بجذور تاريخية مشبعة بالقداسة والرمزية. إنه الكائن الذي أرهق الجبل بحركته، يختفي حينا في شعابه، ثم يطل كالومضة من علياء قممه. في عينيه بصيرة الحذر العتيق، وفي خطواته إيقاع البقاء بوصفه فنا لا صدفة. قد يبدو ساكنا ًً، لكن خلف سكونه يكمن ذكاء الصخر ويقظة البرق باحث إماراتي الهوامش والمصادر: ، آفاق للنشر 1 . محمد، زكريا، عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية، ط 1 . 2009 ، القاهرة 9 والتوزيع، ص ، 1 . الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس، تحقيق، عبد العليم الطحاوي، ط 2 ، مادة: وََعََلََ. وينظر: 31 م، ج 2000 المجلس الوطني للثقافة والعلوم، الكويت . 353 - 352 ، ص 4 الجاحظ، الحيوان، ج . موسوعة الحياة البرية في المملكة العربية السعودية، الوعل العربي، الرابط: 3 https://www.saudiwildlife.com/site/home/animal /70 . الدغيشي، حمود، أسطورة الوََعِِل في الشّّغر الجاهلِِيّّ: دراسة في ضََوء 4

،) 1 )، العدد ( 17 الميثولوجيا، المجلة الأردنية في اللغة العربية وآدابها، المجلد ( م. 2021 ، 151 ص . 70 : 1963 . ديوان النابغة الذبياني، تحقيق: كرم البستاني، دار صادر، بيروت، 5 . ينظر: في ذلك حولية الآثار «أطلال» التي تصدرها المملكة العربية السعودية 6 م. 1983 ، 7 ، ع 2 في دراسات: دائيال بوتس، ثاج في ضوء الأبحاث الحديثة، ق م. 1986 ، 10 ، ع 1 وخالد عبد العزيز الدايل، دومة الجندل، ق م)، «الأصنام»، تحقيق: 821 هـ / 206 . ينظر: الكلبي، هشام بن محمد السائب ( 7 . 8 - 7 أحمد زكي، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، ص هـ / 292 . واليعقوبي، أحمد بن إسحاق بن جعفربن وهب ( 8 . ينظر: الكلبي، ص 8 م، 2002 . بيروت 217 ، دارالكتب العلمية، ص 1 ، ج 2 م): تاريخ اليعقوبي، ط 904 . وإبراهيم عبد 54 . ينظر: الدغيشي، حمود، الخيل في الشعر الجاهلي، ص 9 ، مجلة «فصول»، ص 3 ، ع 1 الرحمن، التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي، م م. 1981 ، القاهرة 134 سنوات، 5 . سعودي يهجن بين الوعل العربي والماعز الجبلي والإنتاج خلال 10 تقرير منشور على صحيفة «الرياض». الرابط: https://www.alriyadh.com/666073

قليلة حتى الآن في بعض دول العالم ومنها الجزيرة العربية، وهو من الحيوانات المهددة بالانقراض، وتم تجريم وتحريم صيده دوليا حتى في الدول التي تسمح بالصيد على أراضيها بعض أوقات السنة بموجب تصاريح خاصة تمنع بشدة الاقتراب منه، وتسعى الدول التي يعيش فيها بقايا الوعل إلى تكثيره والمحافظة عليه خوفا من أن ينقرض سواء كان بسبب عوامل بيئية كنقص الموارد المائية والمراعي أو عوامل . ) 10 ( بشرية باستهدافه وصيده بشكل جائر وهي الأخطر عليه إلا أن بعض المجتمعات ترى في صيد الوعل فنّّا وجمالاًً، تتجلّّى ملامحه في مطاردته على رؤوس الجبال، وفي بطون الأودية ولُُجج الشعاب. فعلى السفوح التي تعانق السماء، وفي القمم التي نحتتها الرياح والسنون، يسكن الوعل العربي كأنّّه أسطورة من لحم وروح وأبّّهة. في قرونه المعقوفة كأقواس الرماة يختزن كبرياء الجبل، وفي صوته المختنق بين الصخور رجع عزلة نبيلة، أما حركته، فكأنّّها انسياب القصيدة على فم شاعر بدوي. بهذا الحضور الأخ ّّاذ، غدا الوعل معلما جماليا ورم از فنيا في تقاليد الصيد وفلسفة التحدي. وقد قيل إن من طبائع الوعل أنه لا يصرخ حين يُُصاب، ولا يشكو، ولا يئن؛ بل يسقط بصمت يشبه سقوط شجرة عجوز في عاصفة. والصيّّاد الذي يدرك عمق هذا المشهد، لا يبتهج، بل يطأطئ رأسه، فقد اصطاد روحا نادرة لا قطعة لحم. ولهذا،

- الوعل العربي، المتشبث بقمم الجبال، المبتعد عن السهول، يبدو - في تمثله الفلسفي - تجسيدا خالصا لفكرة الذات الحرة، المتعالية، والمتفردة، وإن استيطان الوعل للمرتفعات يحمل معاني فلسفية تتصل بطبيعة الكينونة التي تختار العلو على الانغماس، والعزلة بعيدا على الضجيج، والصمت على التماهي. - يختار الوعل القمم الوعرة مأوى، كما تختار الذات المتأملة مسارات شاقة للارتقاء، لا بحثا عن رفاه أو أمان، بل هو توق للحقيقة، وللخلاص من الابتذال والنفورمن الاستسلام، ولكي ًًا ترى الألم أبعد، ولتكون أكثر قربا من كنهها، وأكثر استعداد للسقوط بشرف إن سقطت. - الوعل، بهذا التصور، هو الأنا المتعالية في الثقافة العربية، تصعد الجبل لتصنع أسطورتها بعيدا عن القطيع، متعالية لا تقصد غرو ارًً، بل لأن الجوهر لا ي ُُرى من الأسفل، وكأن الوعل العربي يعيد طرح السؤال الوجودي القديم: «هل تصنعنا الجغرافيا، أم نحن من نمنحها المعنى». الوعل في أدبيات الصيد ي ُُعد الوعل العربي من أندرحيوانات الصيد، وقد اعتبره عش ّّاق القنص أفخر الطرائد وأعلاها مقاما ًً، ولا يعيش هذا الوعل إلا في الجبال الوعرة غالبا وهي السبب في بقائه حيا بأعداد

23

22

2025 سبتمبر 310 / العدد

الوعل العربي.. الحكاية التي سكنت الجبال

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online