القناص القن ّّاص رصد سردي وثائقي للوعول لولوة المنصوري الآن، رفع منظاره وثبته جيداًً، فها هو تيس الوعل واقفا هناك بجسده المعافى القوي والخرافي كأعجوبة: الوعل العربي: من أسطورة التراث إلى رمزية المعنى
وكأنك أمام مشاهد من فيلم وثائقي تسجيلي تتناقل فيه الأحداث وفق منظورنفسي جمالي حس ّي فطري ّّ، ينفتح على مشهد مدخل كهف كبيرفي قمة الجبل البعيد الذي يربض فيه تيس الوعل، مُُحنيا رأسه، مُُغمضا عينيه، داخلا في سُُبات عميق. إنك تُُصغي للسكون التعبدي العميق للكائنات الجبلية، وكل شيء يدور في دائرة الصمت والتأمل والبطء والمحبة في لغة الروائي العُُماني زهران القاسمي، فنراه يجدد المشاهد بحيوية اللغة الهامسة والمعبرة عن قوة الجبال وانسيابية الطبيعة الفطرية بين وديانها وشعابها وكهوفها، كل شيء يبدو كيانا مركزيا محركا لفضاء الشعور ومحرّّضا على الهدأة القرائية والمراقبة البصرية الروحية لمسار السرد وطاقة الكلمة. منذ المستهل يغامرزهران في اختيارمشهد افتتاحي يمعن من
«يفتح التيس النائم أمام مدخل الكهف عينيه، يقف مُُلقيا نظرة على القرية، فتهب النسمات وتصدر أعشاب القضب صلصلة ناعمة مثل أجراس صغيرة، يتردد صداها في السفح المقابل، يصعد التيس بتأن وكأنه لا يود أن يفارق المكان، يقف أعلى الكهف، يصوّّب نظرته إلى بطن الوادي العميق الشاسع، حيث الريح تؤرجح أغصان أشجار الحبن المزهرة، وحيث يتمايل زور النخل، بينما تُُطلق أشجار الإثل صفيرها في تلك الساعة من آخر النهار، حيث كانت الشمس قد بدأت في الهبوط تدريجيا لتغيب خلف الجلال 14 ص : الأبعد». ويُُحدِِث التلاقي البصري بين القناص صالح بن شيخان والوعل على قمة الجبل إلى نسخ الماضي بحذافيره في ذاكرة القناص، فتداعت الشخوص وذكريات القنص واللهفة بين القناصين وصيحاتهم في الجبال، كلها اشتبكت وتناسلت
قاتم من مؤخرة البندقية، حاولنا مرات ومرات والوعل يقفز على الصخرة ثم يقفز منها على الجبل، وكأنه يلعب على أصوات الطلقات الكاذبة، وضعنا البنادق على الأرض، بينما 37 ص : ظل الوعل في مكانه حتى حجبته العُُتمة». تكبر الحيرة نحو الحقيقة المجهولة لأصل الوعل، فبرغم أنه يهب الجبال منظ ار مُُقدساًً، ويلمع قرنه في الشمس كالهلال المنير، وتبدو حركته جليلة كحركة قديس مستنير، إلا أنه ينطوي على رمزية عميقة للطبيعة الخارقة، وكأنه محروس من كيانات لا مرئية ملائكية ربما أو أقوام من الجن: «الوعول تختفي في لحظة ما، لا ندري أين تذهب، بعضهم يقول بأنها تتنقل من جبال الحلوي إلى الجبل الأبيض، تهاجر جماعات وتتسلق هضبة الجبل وتجلس هناك لأشهر وبعضهم الآخري ُُخمن بأن الجن هي التي تحرس الوعول وهي التي ت ُُخفيها، الوعول لا تهجر أماكنها التي تربت فيها لكنها تختفي عن الأنظار لحكمة لا يعرفها إلا ح ُُراسها من الجن.
في أمر حقيقة الوعول، كيف أنها تبدو خفية أحيانا أو أنها مخلوقة من كيان غير أرضي، صعبة المنال وكأنها تنطوي في حقيقتها على كينونة سحرية خفية قادمة من العالم الماورائي «في الليلة الماضية وقبيل الغروب - يُُحدثنا سليم بن خاطر - كنا قد أعددنا المكان للمبيت، سمعنا تدحرج الحصى يأتي من الأعلى، شاهدنا تيس الوعل ينزل إلى الوادي ناحيتنا، ليس أي وعل يا شيخان، كان تيس ًا عظيما بقرنين معقوفين، نزل ناحيتنا ووقف بالقرب منا على صخرة كبيرة، تناولت بندقيتي سريعا وصوبت ناحيته، وعندما ضغطت على الزناد لم تنطلق الطلقة أبداًً، كانت قد تنفست بالداخل وانفجرت، قلت يحدث هذا في بعض الأحيان، تناول حمدان بن سويد بندقيته أيضاًً، تناول الرفاق الآخرون بنادقهم، صوبنا ناحية الوعل، والوعل يقف أعلى الصخرة، رميت مرة أخرى ولم تخرج الرصاصة، رمى حمدان وانفجرت الطلقة بالداخل وتطايرت شظايا في وجهه، وخرج دخان
بين عينيه وكأنها وُُلدت من جديد، كل ذلك أعاد إليه ذلك الهمس السحري لملاحقة الوعل، فعادت إليه كل حيوية الاستحضار الماضوي: «قال في نفسه: إنه ينظرإلي ّّ، إنه ينتظرني، عرف أنني أبحث عنه، هو هناك هذه المرة، في قمة جبل السويح، ها هو بعينيه الصغيرتين الجميلتين، يا له من وعل، يا 15 ص : له من وعل .. يا له من وعل». تكبر شعرية الذاكرة ويستعيد القناص وهو ماض نحو فريسته ذلك السرد المحكي المشوّّق بين القناصين وقد غلبتهم الحيرة
خلاله في وصف حيوان الوعل المنتشربين وادي الطائيين في جبال الحجر في سلطنة عُُمان، إذ يتحرك الزمن في السبعينيات حول شخصية صالح بن شيخان، القناص الذي سيدخل عامه الستين وقد حلُُم طوال حياته أن يصطاد وعلا في الجبال أسوة بآبائه وأعمامه وأسلافه، وهو جالس في بيته متكئا على الجدار يرقب الجبال عبر منظاره وينظر نحو قمة جبل عتاب الأقرب إلى القرية، إذ تسم ّّرفجأة مثل صخرة وشعر بفرح يشبه الغبطة في الحصول على شيء ضائع منذ زمن بعيد وسر عجيب قد اكتشفه
41
40
2025 سبتمبر 310 / العدد
القناص رصد سردي وثائقي للوعول
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online