الوعل العربي: من أسطورة التراث إلى رمزية المعنى
في بعض الأحيان تختفي الوعول من المكان، تترك سكنها وتغيب بدون ترك أثر ولا أحد يعرف ما الذي حدث لها، لا توجد مرابض لها على القمم والمنحدرات، ولا يُُجدي بحث القناصين عنها نفعاًً، يصير جواب كل قناص عند سؤاله 78 ص : عمّّا وجده أنه لم يجد شيئاًً. لماذا تختفي فجأة؟». ي ُُعرف بأن عودة الوعول تكون في شهر سبتمبر من كل عام، فهي ظاهرة طبيعية تحدث في موسم التزاوج، حيث ينشط الوعل العربي ويصبح أكثر قابلية للرصد في قمم الجبال الوعرة ويقول بعضهم إن الوعل يُُعد حيوانا خجولا يصعب «لا وقت أفضل رؤيته، ولكنه يظهر بكثرة في شهر سبتمبر. من شهر سبتمبر من كل عام لرؤية الوعول راكضة في المنحدرات، وقت التناسل يجلب الذكورمن مخابئها، تهبط إلى قاع الوادي أو تُُشرف على الأمكنة وقد جذبتها رائحة 110 ص : الأنثى العابقة في الأرجاء». في الرواية بإمكاننا رؤية التفاصيل الخاصة بحياة الوعل، تلك التفاصيل التي تتركنا في حالة انبهاروخشوع لطقوس الوعول في العزلة والصمت والتخفي والاستمتاع بالماء والصخر، ومنها ذلك المشهد الجميل في البرك الباردة وأسفل الشلالات التي تفضل الوعول الدخول وغسل أجسادها فيها، ويبين الروائي بأنها المكان الطبيعي للوعول إذ تشبثت بهذا العالم الصخري منذ القدم، ووجدت فيه ملجأ آمنا من البشر والحيوانات المفترسة فهو المكان الغني بما يحتاجه الوعل الغارق في الصمت والعزلة. «قضيت جل حياتي وأنا أحاول قنص التيس، ولكن بلا فائدة، فبرغم القنائص التي سقطت أمامي وبرغم الذاكرة التي أكتنزها عن كل شبر في هذه الجبال، إلا أنني مازلت غير مكتمل، لقد رسخت مقولة عمي في ذهني: ما تكون 128 ص : قناص إلا يوم تقنص تيس الوعل». إن الرواية بمجملها رصد كامل لحياة القنّّاص النهم لصيد الوعول، التفاف وانعزال ومكائد وانتظار وتربص واختباء ومراحل متوترة في التعق ّّب للفريسة التي لا يظفر بها أبداًً، حتى تنقضي حياة القناص بمجملها وهو يطارد الوعول في
الجبال، يطارد الفراغ والهواء والأصداء والأحلام والأجداد، كل ذلك يمضي على حذر وصبر وتمني حتى مضى العمر وتآكلت القرية ومنعت الدولة صيد الوعول باعتبارها ثروة وطنية وجب الحفاظ عليها، واندثرت هواية القنص في نفوس الآباء، بل ما ًًا عاد أحد يأتي على ذكر سيرة قنص الوعول احتراسا وحذر بعد حكم تحريم صيدها. وها هو أخي ار في مقتبل عمر الستين، يظفر بوعل كبير، لقد فعلها، هوى الوعل وسقط من مكانه، أجفلته الطلقة فسقط وتناول ا � على شجرة اللقم، صعد القناص ناحيته مسرع السكين من حزامه وقبض رأسه بيد، وجررالسكين على رقبته حتى لفظ الوعل أنفاسه الأخيرة وجرى دمه على الحصى. ولكن ماذا بعد؟ ها هو القناص يصل إلى نهاية سيرته بعد أن حقق أمنية الأسلاف، صرخ في كل الجهات، وكان يدرك بأنه يقع في بئر عميقة ومظلمة من الصمت والذهول والحزن: «بينما كان الرأس معلقا على الشجرة سقطت فجأة في حزن عميق، وتساءلت، وماذا بعد؟ كنت أتناسى تلك اللحظة التي وصلت إليها، ماذا بعد سقوط الوعل؟ ماذا بعد الوصول إلى المبتغى بعد كل تلك المحاولات التي كانت تبوء بالفشل والخسائر؟
تيس الوعل سقط، ومع سقوطه قام داخلي عمود كبيرمن الفراغ ونثر غباره في ذاتي، شعرت بذلك الثقل العجيب، ... نظرت إلى اللحم المتكوّّم على الصخر، لم يكن سوى لحم لحيوان جبليّّ، نظرت إلى رأس الوعل المعلق، عيناه فارغتان الآن وقد رحلت روحه إلى الأقاصي البعيدة، واحتل الفراغ الأبيض مقلتيه، نظرت إلى بندقيتي ولأول مرة أشعر بها مادة منفصلة لا تعنيني في شيء، إنها مجرد حديدة 142 ص : صلبة وقاسية ولا تحمل أي مشاعر». ثم يأتي نداء الجوف في تلك الليلة الأخيرة في الجبال، نداء الوحدة في الصمت العظيم، أحقا كانت المطاردة للوعل؟ أم ٍ لإشباع نهم ذاتي �ٍّ للذات؟ أكانت الطريدة عنصر بحث وتحد نحو الإنجاز وإثبات الذات للقبيلة والجبال والأعراف؟ لقد اصطاد القناص الوعل أخي ارًً، لكنه وصل بذلك إلى الفصل الأخير من فصول الشغف والتحدي في حياته، التحدي الذي
كان يشعل جذوة الحياة وعنفوان الأمنيات، ولم يكن يعلم بأنه كان ينهي كل شيء: «أيها التيس، يا وعل الجبال العالية، يا روحي المنفلتة من أعباء الحياة، ها أنت قد سقطت وتحولت إلى أشلاء، لكن هل حقا كنت أريد أن أصطادك؟ هل كنت حقا أحلم أن أمتلك رأسك وأمسك قرنيك؟ هل حقا تلك كانت غايتي؟ أم إنني كنت طول تلك السنين أُُطارد وعلا آخر يركض في داخلي، أنه وعل الذات، الوعل الذي طارده أبي في داخله وطارده عمي دون أن يصلا إليه حتى يقعان معا في دائرة القناص الأكبر الذي لا يفوته مخلوق أبدا أبدا ًً. 143 ص : رجفة مرض .. ومن ثم رجفة حزن وموت». باحثة وروائية إماراتية المرجع: م. 2014 ، 1 • زهران القاسمي، رواية القناص، دار مسعى، ط
43
42
2025 سبتمبر 310 / العدد
القناص رصد سردي وثائقي للوعول
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online