torath 310 - Sep 2025

الوعل العربي: من أسطورة التراث إلى رمزية المعنى

الوعل .. تراث وجبال يتمتع الوعل العربي بتاريخ طويل في الحضارة الإنسانية والحضارة العربية على وجه الخصوص، إذ يظهر بالعديد من آثار وتراث الحضارات في منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية ويوجد الوعل العربي كذلك في صحراء النقب في فلسطين. وتختلف أسماؤه حسب الإقليم واللهجة مع أن كل المصادر تذكره بلفظ الوعل كاسم جامع. وترد صور الوعول كثي ار في النقوش النبطيّّة (من مدائن صالح جنوبا حتى تدمر شمالاًً). ويذكر المتخصصون في الحياة الطبيعية في سوريا بأن الوعول كانت موجودة بكثرة بالقرب من تدمر في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وذكر الباحثون أن البدو كانوا يصيدون الوعل في المناطق الجبلية حول البحر الميت في فلسطين وإن كان الآن قد انقرض تماما من هناك. وانطلاقا من قدراته الجسدية اللافتة للانتباه، يعيش الوعل العربي في الجبال والمرتفعات الصخرية الجافة في اليمن، حيث تتلاءم تكيّّفاته الحيوية مع قسوة البيئة الطبيعية. ففي هذه التضاريس الوعرة، تمكّّنه مرونته وثبات حوافره من التنقّّل ًًا بسلاسة عبر المنحدرات الصخرية الحادة. ويلعب الوعل دور مهما في استقرارالنظام البيئي، إذ يسهم عبررعيه الانتقائي في تنوّّع الغطاء النباتي، ويحد من النمو المفرط لبعض النباتات، ما ي ُُسهم في الوقاية من تآكل التربة. هذا الدور البيئي لا يقل أهمية عن حضوره الرمزي، إذ يُُعد الوعل كائنا أساسيا في منظومته الطبيعية، ورم از للقدرة على التكيّّف والصمود.

الوعل العربي بين التاريخ والواقع والأسطورة

يمتلك هذا المتسل ّّق الماهر قرونا لولبية مبهرة، ويتنقل بخفة عبرالصخورالحادة، معب اّّر بجسده عن مهارة ورشاقة اكتسبها من التحدي الدائم للبيئة. ولا تقتصرأهمية الوعل على براعته البدنية، بل يتجاوزها إلى بُُعد ثقافي، حيث يُُجس ّّد في المخيال العربي معاني الصمود والشجاعة والاعتزاز بالمكان. ومع تزايد التهديدات التي يواجهها - من فقدان الموائل إلى الصيد الجائر - تظل الحاجة ملح ّّة لتعزيز الجهود الرامية إلى حماية هذا الكائن الرمزي وبيئته الطبيعية. الوعل العربي: إطلالة تاريخية 150,000 و ُُجد الوعل العربي في الشرق الأوسط منذ أكثر من عام، وتعود أقدم الأدلة الأحفورية عليه إلى العصر الجليدي ِف سابقا كنوع فرعي من الوعل �ِّ (البليستوسيني)، وقد صُُن الألبي، ولكنه يُُعد اليوم نوعا مستقلاًً. وتوثّّق الأدلة الحفرية وجوده في العديد من المواقع الأثرية. وتُُعد النقوش الصخرية والرسوم القديمة من العصرالحجري الحديث من أقدم الصور المعروفة لهذا الحيوان. وتشير هذه المنحوتات إلى أن الوعل كان يحمل دلالة عملية ورمزية معا ًً، حيث كان يظهرفي مشاهد الصيد، مما يدل على مكانته الرفيعة كطريدة ثمينة لدى الصيادين الأوائل. وفي العصورالقديمة، لا سي ّّما في حضارات بلاد الرافدين وجنوب الجزيرة العربية، ارتبط الوعل بالملوكية والألوهية. فقد كانت قرونه ت ُُدمج في الرموزالدينية، لتعب ّّرعن القوة، والقدرة على التحم ّّل، والحماية. وتظهر بعض القطع

صديق جوهر يصنّّف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة الوعل العربي من الأنواع المُُعرّّضة للخطر، إذ كان في الماضي منتشار في مناطق واسعة من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، إلا أن فقدان مواطنه الطبيعية إلى جانب الصيد الجائر، أسهما في تراجع حاد في أعداده. أما اليوم، فتتوزع تجمعاته بشكل متناثر في عدد من الدول الشرق أوسطية. والجدير بالذكر أن الوعل العربي هو نوع من الماعز الجبلي، يتميز بقدرته اللافتة للانتباه على التكيّّـف مع البيئات الصحراوية القاحلة، ويُُعرف برشاقته وقرونه المعقوفة المميزة. موطنه الأصلي الجبال الوعرة في شبه الجزيرة العربية وامتداده الطبيعي يشمل أجزاء من أفريقيا. وقد شكّّل هذا الكائن عبر العصور جزءا أساسيا من المنظومة البيئية والسرديات الثقافية في شبه الجزيرة العربية، حيث ارتبط حضوره بالصخر والصحراء والرمزية التراثية. وفي هذا السياق، يستعرض هذا البحث حضور الوعل العربي عبرأربعة محاور: تاريخه الطبيعي، وتوزيعه الجغرافي، وتكيفه البيئي، ودلالاته الرمزية في الأدب والثقافة الشعبية.

49 2025 سبتمبر 310 / العدد

48 الوعل العربي بين التاريخ والواقع والأسطورة

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online