torath 310 - Sep 2025

الوعل العربي: من أسطورة التراث إلى رمزية المعنى

المواطن، فإن تجمّّعاته المبعثرة لا تزال حساسة للغاية. وأثبتت حملات التوعية الثقافية، خصوصا تلك التي تربط رمزية الوعل بالإرث المحلي، فاعليتها في تحفيزالدعم الشعبي لحماية هذا الحيوان الأيقونة. ويتبع الوعل العربي نمط حياة نهاري، حيث يرعى في الصباح الباكر وعند الغروب، وتتسم بنيته الاجتماعية بالفصل بين الجنسين: تشكّّل الإناث وصغارها قطعانا مستقرة، بينما يعيش الذكور بمفردهم أو ضمن مجموعات صغيرة إلا خلال موسم التزاوج، ويتغذى على تشكيلة واسعة من النباتات المقاومة للجفاف، مثل أوراق الأكاسيا، والأعشاب الصحراوية، والشجيرات الشوكية، والنباتات العصارية. وفي فترات الشحّّ، يستطيع استخراج الماء من طعامه، مما يقل ّّل حاجته لمصادر المياه السطحية. وكان النمر العربي يمثل مفترسه الطبيعي الرئيسي، لكن انحساره أدى إلى تحو ّّل الضغوط البيئية نحو عوامل بشرية. صورة الوعل العربي في الأساطير والأدب والثقافة الشعبية يحتل الوعل العربي مكانة بارزة في التراث الثقافي والفني للشرق الأدنى القديم وما بعده. يُُصوَّّر الوعل في الفنون، ويرتبط بالآلهة والطقوس والمعتقدات، ويمثل آلهة القمر والخصوبة، وحتى شجرة الحياة. وتظهر صورته في أشكال متنوعة، من الفخار والفن الصخري وفي الأعمال المعدنية

الأثرية المبكرة من مملكة سبأ زخارف معقدة لصور الوعل، مما يعزز مكانته في التقاليد الروحية والثقافية العربية. كما يظهرالوعل العربي في الفولكلورالبدوي القديم، حيث ي ُُحتفى بطبيعته المراوغة كرمز للنجاة في وجه الشدائد. وقد اعتبره البدو حارسا للجبال، يجس ّّد معاني الحرية والحكمة. يعيش الوعل العربي في بيئات جبلية وعرة وشديدة الانحدار، تكاد تخلو من الغطاء النباتي وتفتقر إلى المياه. ورغم قسوتها، توف ّّرهذه البيئات حماية من الحيوانات المفترسة ومن التوس ّّع البشري. وتكمن قدرته الفائقة في تسلّّق المنحدرات الصخرية شبه العمودية بسهولة ومهارة، مما يجعله مؤهلا تماما لهذه التضاريس. يفض ّّل العيش في المناطق المرتفعة حتى يتمكن من رؤية الحيوانات المفترسة ويستعين بالمنحدرات والكهوف كمخابئ، خاصة خلال حرارة الظهيرة أو العواصف الرملية. ويتسم الوعل العربي بمظهر آسر، بجسمه العضلي الانسيابي وقرونه المقوسة المدهشة التي قد يتجاوز طولها المتر أما لونه الذي يجمع بين درجات البني الفاتح والداكن فيوفر له تمويها فعالا في التضاريس الصخرية. يعيش الوعل العربي في فسيفساء من السلاسل الجبلية الجافة وشبه الجافة في العديد من بلدان الشرق الأوسط. مثلا في مصر، يقتصروجوده على الصحاري الشرقية خلف نهرالنيل، لا سي ّّما في جبال البحر الأحمر ومرتفعات خليج العقبة وتوف ّّر السودان وإريتريا مواطن جبلية شديدة الانحدار في المناطق الحدودية الشمالية الشرقية، في حين تشك ّّل الحافات الغربية لإثيوبيا قرب البحر الأحمر مناطق لجوء مناسبة. وفي منطقة بلاد الشام تم إنشاء عدد من المحميات الطبيعية للحفاظ على الوعل العربي. أما في سوريا ولبنان، فقد كان الوعل منتش ار سابقا في سلاسل جبال القلمون والمناطق الساحلية، غير أن تدهور المواطن الطبيعية والصراعات المسلحة أد ّّت إلى انقراضه محلياًً. وفي شبه الجزيرة العربية، تشهد سلاسل جبال عسير والحجاز في السعودية، وجبال ظفار في ع ُُمان، ومناطق عديدة على امتداد الجغرافيا الإماراتية وحضرموت في اليمن، وجودا ثابتا للوعل العربي. ومع ذلك فقد انخفضت أعداده بسبب الصيد غيرالمشروع وتدميرالمواطن الطبيعية الناتج عن التوسّّع الحضري والتعدين، فضلا عن التغيّّرات المناخية. ورغم الجهود المحلية والدولية، بما في ذلك برامج التناسل في الأسر، وإنشاء المحميات، ومبادرات الإعادة إلى

القمري، الذي ارتبطت عبادته بالأضاحي ورموز الحيوان. أما في حضرموت، فكانت العادة قديما أن تُُعلّّق قرون الوعول على أسطح المنازل كتعويذات ضد الشرور، مما يمزج بين المعتقدات الروحانية والهوية الاجتماعية. واستمرّّت بعض هذه العادات في العصور الإسلامية، ولكن ضمن سياقات ثقافية جديدة. من ناحية أخرى يظهر الوعل العربي اليوم في الرموز الوطنية، وترويج السياحة البيئية، وحملات حماية الحياة البرية في بعض الدول العربية والخليجية. وغالبا ما تسلّّط عليه الأضواء في الوثائقيات المعروضة عبر القنوات الفضائية خاصة "ناشيونال جيوغرافيك – أبوظبي"، حيث يُُقد ََّم بوصفه تجسيدا للمرونة البيئية. وفي الأدب والصحافة البيئية، يُُستعان به كاستعارة للبقاء وجمال الطبيعية في الصحاري والبوادي. الخاتمة ليشكل الوعل العربي أكثر من مجرد كائن صحراوي؛ فهو رمز ثقافي عميق الجذور، ترك آثاره في النقوش الصخرية والذاكرة الجماعية منذ العصر الجليدي. جس ّّدته المجتمعات القديمة كطريدة مقدّّسة وكائن طقوسي، مما يعكس مكانته البيئية والرمزية على حد سواء

والنحت، ويمتد وجوده في ثقافة الشرق الأدنى القديم لآلاف السنين. الوعل العربي ليس مجرد حيوان بل يُُجسّّد روح الجبال الوعرة والمثابرة المطلوبة للعيش فيها. وتُُجسّّد قدرته على عبور التضاريس الصعبة القيم المجتمعية المرتبطة بالقدرة على التكيّّـف والمرونة. ويحظى كذلك بمكانة رمزية عريقة في الثقافة العربية حيث تظهر هذه الرمزية في الأدب والفلكلور، وتتناول حكايات وموضوعات مثل الصمود والشجاعة. ويتجلى حضور الوعل العربي في السياقات الدينية والتاريخية، إذ ًًا تُُظهر النقوش الصخرية القديمة منذ العصر البرونزي، صور للوعل، ما يدل على التقدير التاريخي العميق لهذا الكائن وغالبا ما ترتبط صوره برموز النماء والتجدد أو دورات القمر ويمكن كذلك رؤية صورته على تحف متعددة، من الأقمشة التقليدية والشعارات كدلالة على عمق حضوره الرمزي في المخيلة الشعبية. وفي الممالك العربية الجنوبية مثل قتبان وسبأ، يزّّنت تماثيله المصنوعة من العاج أو البرونز العروش الاحتفالية وواجهات المعابد. وكانت قرونه المنحنية للخلف تُُعتبر ذات قدرة على طرد الأرواح الشريرة، ما منحها وظيفة رمزية وحامية في الفنون والعمارة. في سياق متصل تُُصوّّر الألواح الصخرية النيوليتية في وسط الجزيرة العربية الوعول محاطة بأشكال بشرية تؤدي حركات تشبه الرقص، مما يُُلمّّح إلى طقوس روحية. وفي الأساطيرالسبئية، ارتبط الوعل بالإله

أكاديمي وناقد-خبير الترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية

المصادر والمراجع: 1. Abu Baker, M. A. & Al Omari, H. (2013). «Distribution and threats to Nubian Ibex in southern Jordan». Jordan Journal of Biological Sciences. 2. Groves, C.P. & Grubb, P. (2011). Ungulate Taxonomy. Johns Hopkins University Press. 3. Hofer, H. et al. (1996). «Distribution and status of the Nubian Ibex in the Eastern Desert of Egypt». Biological Conservation. 4. Kingdon, J. (1997). The Kingdon Field Guide to African Mammals. Academic Press. 5. Nader, I.A. (1996). «The Status of the Nubian Ibex in Saudi Arabia». Journal of Arid Environments. 6. Osborn, D. & Helmy, I. (1980). The Contemporary Land Mammals of Egypt (including Sinai). Field Museum of Natural History. 7. Shalmon, B. (1991). «Conservation and Management of the Nubian Ibex in the Middle East». Symposium on Desert Fauna. 8. Spalton, A. et al. (2002). «The re-introduction of the Arabian Tahr and Nubian Ibex in Oman». Oryx 36(3). 9. Wilson, D.E. & Mittermeier, R.A. (Eds.) (2011). Handbook of the Mammals of the World. Vol. 2: Hoofed Mammals. Lynx Edicions.

51

50

2025 سبتمبر 310 / العدد

الوعل العربي بين التاريخ والواقع والأسطورة

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online