إضاءة
هــذه مجــرد لمحــة أو توطئــة ربمــا تكــون م ُُصيبــة في تصــور بدايــة صناعة الأبواب في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي ارتبطت بكــساد صناــعة اللؤــلؤ واــستخراجه الإنسان في منطقة الخليج ربما عامة وفي دولة الإمارات العربية المتحدة خصوصا كان يحيا في الصحراء، يكد السعي وراء الرزق مــن خلال رحلــة لا تنــتهي بحثــا عــن الماء والــكلأ وكان مســكنه خيمــة مــن شــعر، وإن اســتقر نسبيــا في واحــة أو في مكان فيــه مــاء، فــإن الاعتمــار والســكن يكــون في مســاكن بســيطة مشــيدة مــن جــذوع النخيــل وســعفه خاصــة في التجمّّعــات القريبــة مــن الساحل، التي نمت في ظل الهجرات وحركة التنقلات المستمرة والدؤوبة بحثا عن الزاد ولقمة العيش.. وهذه الهجرات للقبائل القادمة من عمق الصحراء إلى ساحل الخليج بحثا عن مصادر أخـرى ومتنوعـة للـرزق، شكّّلـت مـع سكان السـاحل نـواة للمـدن وبداية لتشكل تجم ّّعات سكنية أخرى مختلفة ومستقرة نسبياًً، ومنفتحة على نمط حياة جديدة ارتبطت بالبحروبالتالي اهتدى هـؤلاء إلى التجـارة مـع الخـارج، وركبـوا البحـر الـذي فتـح أمامهـم آفاقــا أخــرى مغايــرة ومتعــددة، وبــدت تحقــق أهدافــا كــبيرة لــم تــكن في الماعضي. والبحــر الــذي فتــح آفــاق وأبــواب الخير والــرزق، هــو نفســه فتــح بــاب الصــراع مــع أخطــار البحــر ومصاعبــه أيضــاًً، فركــب ابــن البيئــة ومــن أتــى مــع الهجــرات وعثــاء البحــر وغــاص في أعماقــه بحثــا عــن اللؤلــؤ لصناعــة الخير والثراء آنــذاك، ونشــأت علاقــة بين الإنســان والبحــر على مــدن الســاحل التي تشك ّّلــت مــن هــذه التجمعــات مــن ابــن البيئــة البحريــة ومــن جــاء مــن الصحــراء في هجـرات مـن عمـق الصحـراء، ومـع ازدهـارصناعـة اللؤلؤ ازدهرت صناعة السفن والمراكب الشراعية البدائية والمتطورة بمختلف الأشكال والأحجــام، فاشتهــرت في تلــك المــدن صناعــة الســفن التي تــسمى «القلافــة» التي ازدهــرت بازدهــار التجــارة بين الموانــئ الداخليــة والخارجيــة، وكذلــك بازدهــار صناعــة اللؤلــؤ وتجارتهــا. لكن ثلاثينيات القرن الماعضي شهدت بداية كساد صناعة اللؤلؤ أبواب الإمارات: من البحر إلى الجدران
وأفكار النـاس وعاداتهـم وسـلوكهم كذلـك، فمـثلا سنكتشـف أن هــذا البــاب في إطــار العمــارة تلــك لــن يفتــح مباشــرة على المكان حتى لا ينكشــف أهــل الداخــل للقــادم، هــذه الإضافــة مرتبطــة بالحشــمة وبقيــم النــاس. والبــاب ذاتــه ســيكون مــدخلا مطمئنــا للقــادم بزخرفتــه وإيماءاتــه التي هي في الأســاس جــزء مــن قيــم الجماعة بمعنى آخر هي ليست زخرفة وأشكالا للبهجة والزينة، ورســم لوحــة وتحفــة تآشي بــجلال البــاب وهيبتــه فقــط، ولكــن ًمرتبطــة بالنــاس وبحركتهــم في الحيــاة ومعتقداتهــم الشــعبية وــسلوكهم تــجاه أنفــسهم وتــجاه الآخرــين أيــضًا هـذه البصمـة الناطقـة بفـن الزخـارف الخشبيـة في تلـك العمـارة القديمة حوّّلت هذا الخشب الصامت إلى حيوات ناطقة بأنامل ف فنــان أتقــن اللعــب على تلــك الأخشــاب وأبــدع فحوّّلهــا إلى ا قل ّا ـّر عــن الحيــاة المعيشــة في المكان اجتماعيــا ـ ًحي ناطــق، بــل ومعبـ واقتصادــيًا بتأمــل آخــر ومــن خلال ممــا ســبق نســتطيع أن نجــزم أن تاريــخ الأبــواب في تلــك المــدن الســاحلية في الدولــة ارتبــط بالبحــر وبصناعاته، أليس هذا لافتا للنظر والانتباه أن تتوحد اليابسة مع الماء وتكون سببا مهما لبدء تاريخ حقيقي لأبواب تراثية نقف أمامها بإجلال وإعزازعلى إتقان الصنعة وإسباغ الجمال والفن والإبداع على مكون من مكونات العمارة تمكّّن الإنسان في هذا الوطن أن يتقنه بإمكاناته البسيطة، وبما يمتلك من أداء متقن وإحساس بالفن والجمال وروعة التسطيرعلى الخشب فتمكن مـن إبـداع لوحـات فنيـة ممـا يصنـع أيضـا
التي تمازجـت مـع ثقافـات حضـارات أخـرى احتـك بهـا مـن خلال المثاقفــة التي تشكّّلــت بالتجــارة والالتحــام مــع شــعوب المنطقــة والإقليم الأكبر، فبرزت الفنون لهذه العمارة ممتزجة بالزخرفة التي منحهــا مــن روح المكان، ومــن قيمــه الروحيــة والإنســانية والعقدية، ليشك ّّل بهذا الفن سواء في هندسة المعمارالتي تراعى ف ا تلك القيم، أوفي أشكال الأبواب وزخرفتها الذي فن ّّها وأتقنها قل ّا قادم من صناعة السفن استطاع أن يحوّّل صناعة الأبواب إلى مصـدر مـن مصـادر الإلهـام والتنويـع لما يملكـه مـن حـس إبـداعي جعــل مــن البــاب تحفــة جميلــة تناســب عمــارة المكان الجديــد فأبـدع في الزخـارف على الأبـواب الخشبيـة وجعلهـا تـشكّّل لوحـة ف ا ـّر عـن واقـع الحيـاة المعيشـة في المكان، واهتـم الـقل ّا ـ فنيـة، تعبـ الفنـان بـأن جعـل مـن زخرفـة البـاب طاقـة للنـوروالأمـل والرجاء، فأحيانـا تـراه يضـع على الجـزء العلـوي مـن البـاب نقشـا لخطوط أشــعة الشــمس مــعب ار بهــا عــن النــور والأمــل القــادم للداخــل إلى عمق الدارأو المنزل، وكل ما كان يقوم به من نقش ورقش يعتبر إبداعـا وفنـا ًً.. واسـتخدم الفنـان النجـار الـذي أبـدع كل الأشكال المســتوحاة مــن البيئــة المرتبطــة بالعقيــدة في منمنــات وأشكال هندسية من النباتات والأشجاروالأوراق لرسم إطارمبهج لباب يقف في وداعة الشموخ، كما طغت القيم والمعتقدات الشعبية المرتبطـة بعـادات النـاس وتراثهـم المعنـوي واللا مـادي مثـل القيـم المتعــوذة مــن الحســد وطــرد الشــر ونبــذه وغيره ممــا اســتقر في اليــقين الشــعبي، ليتحــول البــاب إلى أيقونــة مــن الإبــداع الــفني المستمد من مكنونات النفس العقائدية الدينية، المرتبطة بقيم
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
التي تخــدم فيهــا مئــات الســفن، وذلــك لدخــول اللؤلــؤ الصنــاعي ومنافسـته اللؤلـؤ الطبـيعي مـع تطـور وتبـدل طـرق التجـارة البريـة والبحريـة، فبـدأت صناعـة السـفن في التراجـع والتدهـور، ولكـن ف» تحــول مــن صناعــة الســفن ا الصانــع البــارع والماهــر «الــقل ّا إلى صناعــة الأبــواب، حيــث بــدأ هــذا الإنســان المجــاور للســاحل بالابــتكار والإبــداع، وبــدأت هــذه التجمعــات تحــول المكان إلى مدينة، أو أن المكان الذي سكنته هذه التجم ّّعات بفضل ازدهار التجارة واللؤلؤتحول إلى مدن وتجم ّّعات مدنية حديثة اعتمدت على عــمارة جدــيدة بديــلة لعــمارة أساــسها النخــلة ومكوناتــها واللافــت للانتبــاه أن دولــة الإمــارات العربيــة المتحــدة فــقيرة في الأخشــاب الطبيعيــة، ولكــن للحاجــة والازدهــار ونمــو العمــارة اســت ُُقدمت هــذه الأخشــاب مــن الخــارج لتواكــب ازدهــار صناعــة السـفن، ثـم لاحقـا لتتمـاءشى مـع ازدهـار البنـاء والعمـارة الجديـدة فــون» تحوّّلــوا مــن صناعــة ا التي كان مــن مكوناتهــا البــاب، «القلّا الســفن إلى صناعــة الأبــواب فهــم الأقــرب إلى هــذه الصناعــة الجديــدة ولديهــم الخبرة والفــن والمعرفــة بالأخشــاب وأنواعهــا ومعهـم أدواتهـم المعهـودة، وبـدأت مرحلـة جديـدة بـرزت وتطـورت وازدهرت هي صناعة الأبواب كإحدى مكونات العمارة الجديدة، وأتقنــوا ذلــك مــع تطــور المبانــي التقليديــة وظهــور العديــد مــن ف» أبوابـا تناسـب هـذا المكـوّّن الجديـد، ا أشكالهـا، فـشكّّل «الـقلّا ف» روح ا وغمره بالأشكال الزخرفية والحفرالذي جسد به «القل ّا الإنســان المبــدع، وخلــق في فنّّــه مــا يتســق وروح المكان وثقافتــه
53
52 أبواب الإمارات: من البحر إلى الجدران
2025 سبتمبر 310 / العدد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online