torath 310 - Sep 2025

ارتياد الآفاق

«الر ِِّحلة الش ََّامي ََّة» م 1910 للأمير محمد علي باشا صرير التاريخ وتحولات الشرق مطلع القرن العشرين

محمد عبد العزيز السقا

قبل أكثر من قرن، ك ُُتبت هذه الرحلة، رائحة الت ّّاريخ تفوح دة للحضارات، بقلم ا من صفحاتها، ودموع الحنين لمدن ولّا عاشق لا يعوزه مداد المؤرخ، يقدم وصفا حيّّا لمدن الشام (سوريا ولبنان) الّّتي تفوح منها روائح القرفة والياسمين، وينقلنا إلى ليل الهلال الخصيب الذي «يندى بالهدوء كأنّّه صلاة»، ويشي بعيون النّّساء التي «تحمل خلفها بلادا من ِر». فما ضرّّك - أيها القارئ العزيز- لوسافرت معي رفقة �ِّ الس أميرمصروولي عهدها إلى الشام مطلع القرن العشرين، في ِر نظرتك للش ّّام إلى الأبد، بعدها �ِّ رحلة لا تُُّفوت، قراءتها تُُغي سيقفز السؤال: أي مدينة من مدن الش ّّام ستسكن قلبك مثلما حدث لقلب الأمير؟ رحلته من السويس يوم الجمعة ) 1 ( بدأ محمد علي باشا (الأمير) هجرية، الموافق الأول من أبريل/ 1328 ربيع الأول 21 في م، بينما كانت الشام تتهيأ سرََّا لخوض معركة 1910 نيسان الاستقلال، والسلطنة العثمانية تمر بمرحلة احتضارها، بعد الإطاحة بالسلطان الأحمر عبد الحميد الثاني على أيدي قادة «جمعية الاتحاد والترقي»، والآلة الاستعمارية تسن أنيابها لاقتسام أوصال الشرق، قبيل الحرب العالمية الأولى التي غيّّـرت وجه التاريخ. القطار يصف ّّر عند محطة دمشق، سينطلق بين ضفتي وادي بردى، حيث تتماوج الأشجار، ويترقرق النهر كالزمرد السائل، والبحرالمتوسط يهدرموجه تحت شمس بيروت، وجياد عربية أصيلة تنتظر فارسها، مغامرة في قلب الشرق الذي يدفع ثمن

داخل المسجد العام في قصر الأمير محمد علي توفيق بالمنيل مع الأسقف الخشبية المزخرفة بالذهب

العربي الأصيل. والمثير أن الأمير لم يكتبها كحاكم أو مسؤول، كتب رحلته كإنسان، أوبالأحرى كشاب يرى وطنه يتبدل، ويرى الزحف قادماًً، ويتأمل نخبة خاويةًً، وسلطة هاويةًً، ومستقبلا مجهولا ًً. لم ينس الأمير أن يحكي عن لقاءاته بكبار رجال الش ّّام، وعن زيارته لقلعة حلب، ومقام السيدة زينب، وحكاياته في بعلبك ٍ نُُسي في �ٍّ التي وصف أعمدتها كأنّّها «حروف من سفر إلهي الأرض». والمثير أنّّه لم يكن يدو ّّن ما يراه فقط، بل ما يشعر ِحلة واحدة من أجمل كتب الرّّحلات الّّتي �ِّ به وهذا ما جعل الر

اقتراب أفول الدولة العثمانية، الأمير المثقف، الرحالة، العاشق للخيل، الذي غادر قصور القاهرة، ليبحث عن الجياد الأصيلة، ويستنشق هواء الجبال، ويسج ّّل شهادته على عالم عربي كان على وشك الدخول في زمن التحولات. ِحلة الش ََّامي ََّة»، يسافر بنا محمد علي باشا من �ِّ في كتابه «الر بور سعيد في مصر إلى بيروت، ثم إلى دمشق، فبعلبك، فحماة، فحلب، وطرابلس، يروي مشاهد استقبال المدن له، يؤرخ لدمشق وهي تحتضن نقمتها المكبوتة على العثمانيين، يصحبنا حيث استقبله أهالي تلكلخ بالخيل والفرسان والكرم

صورة لمحمد علي توفيق في قصرالأميرمحمد علي بالقاهرة

قصر الأمير محمد علي، قصر المنيل، القاهرة

59

58

2025 سبتمبر 310 / العدد

م صرير التاريخ وتحولات الشرق مطلع القرن العشرين 1910 «الر ِِّحلة الش ََّاميََّة» للأمير محمد علي باشا

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online