سرد الذاكرة
زايد والصقر.. رفقة الرمل والعز ّّة
هيبة الطير وصداقة الرمل كان أول تعرّّفي الحقيقي بالصقر في مجالس الشيوخ وبعض رجالات الدولة آنذاك، ومنهم معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة. لم يكن الصقر هناك مجرد طائر، بل أشبه بعضو صامت له حضوره ووقاره. يُُحمل على اليد برفق، ساكن الحركة، وعلى عينيه قناع جلدي صغير يحجب عنه الرؤية، كأنما هو في حالة تأمل أو إنصات، لا يريد للصور أن تربكه أو تستفز فيه غريزة التحليق. لكن الإدراك الحقيقي لمكانته جاء حين شهدت تدريباته، واكتشفت أن الصقر لا ي ُُربى فقط، بل ي ُُصادق. ي ُُنادى باسمه فيجيب، ويُُلوّّح له بط ُُعم يشبه طائر الحبارى، فينقض عليه بدقة ومهارة تشي بذكاء حاد وتدريب طويل. حينها فهمت لماذا يلقى هذا الطائر كل ذلك التقدير والاهتمام، ولماذا ارتبط
استوقفني المعنى، وفك ّّرت: لِِم لم يقل «كالصقر»؟ إذ في عزة الصقر، وفي رفعة طيرانه، وفي نقاء مطعمه، ما يليق أكثر بكبرياء الشاعر وسؤاله الوجودي عن الحياة والكرامة. ولم يكن هذا التأمل خاص ّّا بي وحدي؛ فقد سمعت معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة ذات مرة يهمس بنبرة فيها شيء من الأسى: «ليته قال كالصقر لا النسر.. فالنسر لا يصيد، بل يقتات على الجيف» كلماته تلك رسخت في ذهني، وجعلتني أرى المفارقة أكثروضوحا ًً: كيف تحو ّّل النسرفي بعض الثقافة العربية إلى رمز للمنعة والقوة، حتى وُُضعت صورته على عملات ورقية ومعدنية، واعتمدته بعض الدول شعاار رسميّّاًً؟ ومع ذلك، فإن أهل البادية الذين خبروا الحياة بأصالتها، لم يخدعهم بريق جناحيه ولا علو طيرانه. فهم يعرفون أنه، في نهاية الأمر، يهبط لا ليصطاد، بل ليلتهم ما تركه الموت.
خليل عيلبوني من الصور العالقة في ذاكرة بداياتي في أبوظبي، لحظة لقائي الأول بطائر لم أكن أعرفه إلا رسما أو وصفا ًً: الصقر. كنت أراه شبيها بالنسرفي طفولتي، فلم أمي ّّزبينهما إلا قليلا ًً، إذ كلاهما جارح قوي يحل ّّق عاليا في السماء. وكحال من نشؤوا على ما ي ُُعرض في الأفلام أو ي ُُروى في الحكايات، تشك ّّلت لدي صورة للنسر بأنه سيد السماء، طائر ضار يهابه الإنسان، لأنه لا يتورع عن الانقضاض على كل ما هو ضعيف أو ميت. لكن حين اقتربت من الصقر حقا ًً، تبد ّّد هذا التصو ّّر، وانقلبت الموازين. فهمت لماذا يقد ّّره أهل الإمارات، ويضعونه في منزلة رفيعة. فالصقر ليس طائ ار عادياًً؛ إنه رمز النبل والعزّّة، لا يقرب الجيفة، ولا يأكل إلا ما اصطاده بنفسه. يعيش شامخاًً، شريفاًً، لا يرضى بالدون ولا يلتفت لما تساقط من فتات. ذات يوم، وأنا ألقي بيت أبي القاسم الشابي: «سأعيــــــــــــش رغــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم الـــــــــــــــــــــداء والأعـــــــــــــــــــــداء كالنســـــــــــــــــــــــــــــــــــر فـــــــــــــــــــــوق القمـــــــــــــــــــــة الشم ّّـــــــــــــــــــــاء»
77
76 زايد والصقر.. رفقة الرمل والعزّّة
2025 سبتمبر 310 / العدد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online