سرد الذاكرة
الرحلة إلى رحيم يار خان هبطت بنا طائرة خاصة تابعة للقوات المسلحة الإماراتية في مدرج رملي غير معبّّد، لا برج مراقبة فيه ولا منشأة توحي بأنه مطار. ومع ذلك، تم الهبوط بسلاسة مدهشة، ما دل على أن الطيارين كانوا معتادين على مثل هذه البيئات. علمت لاحقا أن المكان خُُصص لاستقبال هذا النوع من الطائرات التي لا تحتاج إلى مدارج إسفلتية، بل يكفيها أن تهبط على أرض صلبة تحيط بها الرمال، وهو ما يُُعرف محليا باسم «المسطاح». وقد تم اختيار ذلك الموقع تحديدا لقربه من مدينة «رحيم يار خان»، ومن مناطق القنص المعروفة هناك. حين حطّّت الطائرة، كانت سيارات «اللاندروفر» التابعة للشيوخ في انتظارنا، اصطفّّت بهدوء على أطراف المدرج الرملي، وحملتْْنا مع حقائبنا إلى المخيم، تلك القاعدة التي تنطلق منها جولات الصيد. وصلنا بعد أن غابت الشمس، وكانت العيون قد أنهكها التعب، فبدت لنا الخيام وسط الظلام مثل قصورمن حرير. لم أ ُُخف دهشتي حين أشار الدليل إلى خيمة صغيرة تقع على طرف المخيم قائلاًً: «هذه خيمة الشيوخ». سألته متعجباًً: «الشيخ زايد؟» فأجاب: «نعم، الشيخ زايد». كنت أظن - قبل أن أرى بعيني - أن المغفور له الشيخ زايد - طي ّّب الله ثراه - يقيم في فيلا خاصة أُُعد ّّت له بمناسبة موسم القنص، لكنني فوجئت بأنه، كعادته، اختار أن يسكن خيمة بسيطة لا تختلف عن سائرالخيام، يفترش الأرض مثل رفاقه، ويعيش كواحد منهم، دون أي مظاهر تمييز أو ترف. خ ُُصصت لنا خيمتان، وضعنا فيهما حقائبنا، وتسلم كل واحد منّّا بطانيتين، ووسادة، وفوطة. كان الصمت يلف المكان، فالكل كان نائما حين وصلنا، فسارعنا إلى تجهيزأماكن نومنا، وغط كل منّّا في نوم عميق، بعد رحلة شاقة ولكن مفعمة بالتوقّّع والانبهار. حكمة الرمل وصقور الذاكرة في صباح اليوم التالي، رافقت معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة إلى خيمة المجلس، حيث كان الشيخ زايد - طيّّب الله ثراه - يتناول الإفطار مع مرافقيه وأفراد رََب ْْعه. بعد أن حي ّّيناه، بادرنا الشيخ زايد بالترحيب بابتسامة دافئة، وسألنا عن عدد
الصقور التي معنا، ثم وج ّّه الدكتور مانع بتحديد جهة معينة للصيد، مؤكدا على أهمية احترام حدود المواقع المخصصة لكل مجموعة، حتى لا يعتدي أحد على منطقة الآخر. كان واضحا أن هذه الرحلة ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل تجربة تنبض بالتنظيم والانضباط والتقاليد المتوارثة. وأمام تلك اللحظات المعبّّرة، وجدت نفسي مدفوعا لتوثيق كل ما علق في ذاكرتي من كلمات ذلك القائد الفذ، الذي لم يكن يرى في الصحراء مجرد أرض قاحلة، بل كان يرى فيها فضاء مفتوحا للحرية والصفاء والتأمل. زايد، كما عرفته هناك، لم يكن يستعيد البداوة مجرّّد حنين، بل كان يعيشها بكل ما فيها من بساطة وكرامة، يفترش الرمل، ويشارك رفاقه طعامهم، ويجد في هواية الصيد بالصقور امتدادا لتراث الأجداد، وسبيلا لحفظ هوية الوطن. كانت الصقور في عينيه رم از للوفاء والشجاعة، وكان حريصا على إحياء هذه الرياضة النبيلة، وصونها من التلاشي في خضم الحداثة والترف أكاديمي وإعلامي وشاعر
بمناسبة انعقاد «مؤتمر البيزرة الأول» في أبوظبي. كان ذلك البرنامج نافذتي الأوسع على عالم الصقور، فقد صورت فيه مشاهد لتدريباتها الحية، واستمتعت بالاستماع إلى معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة وهو يتحدث بخبرته الواسعة عن أنواع الصقور وخصائصها. ومن خلال ذلك اللقاء عرفت أن أشهر أنواع الصقور نوعان هما «الحر» و«الشاهين». «الحر يتميز» بحجمه الأكبر، أما «الشاهين» فهو أطول قامة وأسرع انقضاضاًً. ولكل منهما عش ّّاقه من الصقّّارين؛ فبعضهم يرى في «الشاهين» رشاقة لا تضاهى، فيما يفض ّّل آخرون «الحر» لندرته وهيبته ومهارته في الصيد. ولم يكن الأمرمجرد تفضيل، بل بدا أشبه بانتماء، فكل صق ّّار يختار طائره كما يختار رفيق دربه. حين يكون الصقرغيرمدر ََّب بعد، ي ُُطلق عليه اسم «الوحش»، أما إذا خاض تجربة الصيد وأثبت كفاءته، فيُُعرف في الموسم التالي باسم «الجرناس»، أي الصقر الذي سبق له الصيد وراكم خبرة ميدانية. هذه المصطلحات بقيت بالنسبة لي مجرد معلومات نظرية، حتى سنحت لي الفرصة لأعيشها عن قرب في أول رحلة قنص شاركت فيها، مرافقا معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة، الذي كان بدوره برفقة المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ ّّـيب الله ثراه - كانت الرحلة في زايد بن سلطان آل نهيّّان - ط السبعينيات من القرن الماضي، والوجهة: باكستان.
اسمه بالشموخ والعزّّة في المخيال العربي. فالصقر في بيئتنا لا ي ُُقتنى اعتباطا ًً؛ بل هو استثمار في علاقة قائمة على الوفاء والهيبة. بعض الصقور ت ُُقد ّّر قيمتها بملايين الدراهم، ليس لندرتها أو مهارتها فقط، بل لما تمث ّّله من مكانة رمزية أيضاًً. يُُعامل الصقر كرفيق نبيل، يُُخاطب ويُُطعم، وتُُراعى صحته لدى أفضل البيطريين، بل تُُجرى له عمليات جراحية ويُُعالج بأدوية خاصة ويُُتابع علاجه كما يُُتابع مريض عزيز. تُُهيأ له إقامة صحية مريحة، ويُُفرد له حيّّز خاص في حياة صاحبه، يفتخر به وي ُُباهي به أمام الآخرين. حتى اللمس، ذلك الفعل البسيط، يصبح فعل ألفة وصداقة؛ فكثيار ما رأيت أصحابه يمررون أيديهم على رأسه وصدره بمحبة، وهو يستجيب في هدوء مطمئن. أما أنا، فقد حاولت مرا ار أن أفعل ذلك، لكن شيئا من الهيبة ظل يمنعني، خشية أن يعض ّّني، أو أن أفسد تلك العلاقة القائمة على الاحترام المتبادل. كان في داخلي شيء من التهيّّب كلما اقتربت من الصقر، لا سيما حين تساورني رغبة في مد يدي للمس رأسه أو صدره، كما يفعل الصقّّارون المتمرّّسون. لم يكن خوفي شديداًً، لكنه كان كافيا ليمنعني من تلك اللمسة التي بدت لي أقرب إلى طقس ثقة متبادلة. كنت أخشى أن يعض ّّني، أو أن يقرأ في يدي تردّّدا لا يليق بكبريائه. ما زلت أحتفظ في ذاكرتي - بل وفي أرشيفي المصوّّر - بتجربة تلفزيونية ثمينة تعود إلى السبعينيات من القرن الماضي، حين سجّّلت برنامجا خاصا
79
78 زايد والصقر.. رفقة الرمل والعزّّة
2025 سبتمبر 310 / العدد
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online