ج ُُلساء التراث
قراءة في كتاب «إبراهيم بن سليمان الأنقر» «الط ّّب الشعبي».. مرجع تراثي من «ذخائر الإمارات»
خالد عمر بن ققه تََس ْْحبُُنا الكلمات والمُُفردات، وما جادت به اللغة عموماًً، إلى عوالمها في رحلة تشكّّل «الأنا الاجتماعي» حيث الذات المتفاعلة مع ثقافة المجتمع، وليس من المفروض أن تكون مدركة أوواعية لكل ما تقوم به، وحين تصبح الكلمات الد ّّالة - في مشافهة معترف بها وميس ََّرة - جزءا من خطابنا اليومي المؤسس على أحداث وظواهربعينها، ينتهي الفصل بين ما هو اجتماعي وما هو فردي، وإن اختلفت الممارسة بين فرد وآخر، وجماعة وأخرى، في ظل تدافع أي شعب نحو تحويل معتقداته (الأسطورية والخرافية والدينية) إلى منجز عملي، بغض النظرعن صواب ومشروعية ما يقوم به من عدمهما. من هنا يأتي الحديث عن الثقافة الشعبية التي تظهر في عدد من الممارسات، التي هي نتاج تجارب متراكمة، ومنها تولّّدت العلوم الحاملة لدرجة من اليقين النسبي، ما يعني أن العودة إليها من خلال البحث قد تكون مطلبا وحاجةًً، خاصة حين يتعلق الأمربالمحافظة على التراث في سياقاته الوطنية والقومية، والإنسانية بشكل عام. ولأجل تمييز مجالات الثقافة الشعبية مقارنة بأخرى غيرها، خاصة المكتوبة والعلمية، تمت إضافة المنجز البشري إليها، في اختيار، ربما يكون واقعيا لمكان الوجود، ولحسم مصيرها في ظل حركة التطور أيضاًً، بل والتحسب لما ستؤول إليه الأمور من حيث البقاء والاستمرارية عند مواجهة «الرقيب العلمي»، أو فرض «سلطة القانون»، أو «الرّّفض من الغير» كذلك. لتوضيح المسألة السابقة أكثر، عبر تكرار النقاش والحوار والشرح بين الأجيال المتعاقبة داخل المجتمع
الواحد، نتحدث هنا على مجال واحد من مجالات الثقافة ٍ مكتوب �ٍّ الشعبية، وهو «الطب الشعبي» وتسجيله عبر نص ضمن تراث إماراتي لا يزال حيّّاًً، يعد اليوم مرجعا رغم أن الممارسة زادت فيه، وغدت ملازمة للناس عبرمقاطع الفيديو ومنصات التواصل الاجتماعي، في ظل عجز الرقيب العلمي، وتعذر الرقابة القانونية إلا فيما ندر، وتراجع الرفض من الغير، بما في ذلك من يملكون الحقيقة في هذا المجال. يحق لنا القول هنا: إن مناقشة موضوع «الطب الشعبي الإماراتي» تفرضها الحاجة للتذكيربها أو ّّلا ًً، والمحافظة على التراث ثانيا ًً، والتأسيس لمعرفة مرجعية ذات طابع ميداني ثالثاًً، كما هي في الكتاب الذي بين أيدينا، الذي سنقدم فيه قراءة ضمن «ج ُُلساء التراث».
ذوو الباع الطويل في جلسة مع التراث الإماراتي، نظريا وميدانياًً، في مجال » في ) 1 ( الطب، يقدم لنا الباحث «إبراهيم بن سليمان الأنقر » كتابا تراثيا احتوى على معلومات ) 2 ( مؤلّّفه «الطّّب الشعبي قي ّّمة من ذوي الخبرة والتجارب في سائرمناطق دولة الإمارات العربية المتحدة، ولذلك حق اختياره من مركز أبوظبي للغة التي اعتبرها من «ذخائر ا � العربية، ضمن الخمسين كتاب .» ) 3 ( الإمارات كان هدف المؤلف من وراء دراسته، الكشف عن أساليب الط ّّب الشّّعبي التي سادت مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة
من منطلق أن «التراث الشعبي هو تراث العامة المنفلت من »، كما ) 4 ( القيود والضوابط الرسمية التي ترسمها الخاصة .» ) 5 ( ذهب إلى ذلك «بو عزيزسمحون الملاحظ أن هذا الكتاب اكتسب شرعيّّته المرجعية من ِقُُه «الشيخ محمد بن أحمد �ِّ تلك الإضافة، التي قدّّمها مُُحق »، وقد جاءت واضحة في قوله: ) 6 ( بن الشيخ حسن الخزرجي «أضفت لهذا الكتاب معلومات استقيتها من تجاربي، ومن أهل الميدان من رجالٍٍ، ونساء من قرابتي لهن الباع الطويل »، وهذا يعني أن الكتاب من الأهمية ) 7 ( والتجارب التطبيقية بمكان كونه أُُعتمد من مؤلفه ومحققه «على معلومات من
الميدان في سياق التأسيس والأرشفة ». وفي استقاء الكاتب ) 8 ( للتراث الإماراتي لمعلوماته من الميدان عبر حديث مع الرواة، مع اختلاف في السرد بينهم من ناحية التفاصيل، انطلق من تركيزه على عنصر الزمن عبر حالتين، الأولى: تخص الماضي والحاضر، وذاك بتوضيح ملامح شخصية المجتمع الإماراتي، اعتمادا على الدراسات التراثية (الفولكلورية)، والثانية: تتعلق بالمستقبل، وهذا بالإسهام في توجيه مسيرة المجتمع إلى الأمام.
ولا تزال محتفظة بخصائصها وأنصارها - كما هي وقت تأليف الكتاب في تسعينيات القرن الماضي - ولأن هذا الموضوع شائق فقد عُُدنا إليه الآن، وأحسب أن الباحثين سيظلون في حاجة إليه كلما أرادوا دراسته أو إجراء بحوث ميدانية حوله. من ناحية أخرى، فإن الكتاب، يمكن اعتباره - من حيث مصادره، وليس من ناحية مادته لبعض من ا � ونصوصه المكتوبة - وصف الممارسات الثقافية الشعبية التي أنجزت من قِِبل الشرائح الاجتماعية الواسعة،
الشيخ محمد بن أحمد بن الشيخ حسن الخزرجي
87
86
2025 سبتمبر 310 / العدد
قراءة في كتاب «إبراهيم بن سليمان الأنقر» «الط ّّب الشعبي».. مرجع تراثي من «ذخائر الإمارات»
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online