torath 310 - Sep 2025

ج ُُلساء التراث

رحلات في مناكب الإمارات الجمع الميداني للمعلومات من طرف الكاتب، مثّّل عبئا معرفيا ًً، كونه المصدر الأساسي لجهة تحضير مرجع في مجال «الطب الشعبي في الإمارات» يمكن العودة إليه، يتم هذا مع قلة الدراسات السابقة، وقلة المراجع حول الموضوع، الأمر الذي دفعه إلى الذهاب بعيدا في التاريخ للبحث عن الأصول الأولى لدى الحضارات السابقة والأمم السالفة، غير أنه وهو يقوم بذلك - طبقا للضرورة والحاجة - لم يتخل عن جمع المعلومات عبر رحلات ميدانية مشيا في معظم مناكب الإمارات، على ما في ذلك من صعوبات جم ّّة واجهته، وتخطاها .ٍ �ٍّ بعزم وجد قلّّة المراجع السابقة دفعته إلى الحركة داخل دولة الإمارات العربية المتحدة كلها، ثم إلى عُُمان، باعتبارها دولة مجاورة، في وقت لاحق، وعن ذلك يقول: «كلفنا ذلك الرحيل من منطقة إلى أخرى لجمع البيانات والمعلومات من مصادرها الأولية والأساسية، فقد قمنا برحلات متعددة إلى مناطق عديدة، مثل: غياثي، وبدع زايد، ورأس الخيمة، وأم القيوين، والفجيرة، ودبي، وبعض مناطق عُُمان في محضة والبريمي..». وفي تلك الرحلات لم يكتف الأنقر بزيارة الأطباء الش ّّعبيين في بيوتهم، والنظر إليهم كمصدر للمعلومة على المستوى النظري، إنما عاش معهم - عن قرب - أثناء معالجتهم للناس على الطبيعة، وبالتالي محاورتهم حول أساليب عملهم، والحصول منهم على معلومات تخص الأدوية والأعشاب، التي يستعملونها.. لقد كان حاضار بالمشاهدة والمتابعة، وحتى

بطرح الأسئلة بغية الحصول على مزيد من المعلومات. وعلى خلفيََّة ذلك، وما صاحبه من تسجيل لأقوالهم، وتفاعل مع خبراتهم، صاغ دراسته هذه، مستعينا بما توفر لديه من معاجم، ومراجع قديمة وحديثة ذات صلة بموضوع دراسته، فجمع كتابه بين النظري والميداني، وكان للأخيرأقرب، وعليه أس ََّس بناء معرفيا - تراثيا في مجال الطب الشعبي، خاصا بالإمارات، وإن كان يشترك مع بعض تجارب الدول العربية الأخرى، خاصة دول الخليج العربي. غير أن ذاك التأسيس المعرفي في الطب الشعبي لا يمثل لديه تجربة إماراتية قائمة بذاتها فحسب، ولا متأثرة وتابعة، وقبل ذلك نابعة من اليابسة على مستوى القومي وعلى البحر إنسانيا فقط، وإنما يطوي مسافات عابرة للأزمنة في التاريخ البشري أيضا ًً، كما ورد عند ذكره لتطو ّّر الطب الشعبي، حيث تراكم تجارب الأمم. فراعنة.. وعرب جاهلي ََّة تجارب البشر في مجال الطب الشعبي - ومنها خاصة التجربة الإماراتية ثقافيا وتراثيا ًً- يتدرج الأنقر في طرحها هنا من خلال خمسة أبواب، بحيث يحتوي كل واحد منها على مجموعة عناوين تعتبر قضايا رئيسية، ففي الباب الأول «مدخل عن الطب الشعبي وتطوره» يقدم استعراضا سريعا لحالة الطب الشعبي عند الشعوب القديمة، من أمثال: الفراعنة، والآشوريين، والإغريق، وعرب الجاهليََّة، كما يتطرق فيه إلى أثر الإسلام على الطب، والعوامل المؤثرة فيه في المجتمع الإماراتي، والنظرة الحديثة للطب الشعبي، ويُُعد هذا الباب مدخلا نظرياًً. وفي الباب الثاني «العلاج بالكي أو الوسم»، تحد ّّث الكاتب عن أساليب الطب الش ّّعبي في الإمارات، وأوّّلها: الوسم وأشكاله، والأمراض التي يعالجها، وأشهرالم ُُوسمين، والأساليب الأخرى، مثال: الفصد، والحجامة، والختان، وتجبير الكسور، وغيرها، مع الاستعانة بالرسوم التوضيحية والصور. وتناول الباب الثالث «الأدوية والأعشاب الطبية»، الأدوية الشعبية الشائعة في الإمارات من أعشاب ومعادن وأي مركبات أخرى، مع الاستعانة بصور «العشبة» وذكْْر استعمالاتها المختلفة قديما وحديثاًً، وما ورد عنها في المعاجم اللغوية أيضاًً، وغير ذلك مما قاله العرب القدامى عنها من أمثال

شكل توضيحي يبين الأمراض المختلفة التي تصيب الإبل، ومناطق علاجها بالوسم

وأشعار. وفي الباب الرابع «أمراض الإبل وعلاجها»، تحدث عن أهم الأمراض التي تصيب الإبل، وطرق علاجها المختلفة مع الاستعانة برسوم توضيحية لتحديد موقع الوسم. وفي الباب الخامس «من مشاهير المعالجين» تناول الكاتب بعضا من مشاهير المعالجين في مختلف مناطق الإمارات، ومختلف أساليب العلاج، مع تقديم ترجمة لحياة كل واحد منهم، وخبرته في مجال الطب، وأشهر الحالات التي عالجها. بعد هذا العرض المختصر، يمكن القول: إن الباحث إبراهيم بن سليمان الأنقر، جمع معلومات عن الطب الشعبي، منها ما هو خاص بالإنسان، وهو الغالب، قد يجوزلنا تسميته «الطب الشعبي البشري»، ومنها ما هو خاص بالحيوانات، خاصة الإبل، وهذا يمكن تسميته «الطب الشعبي البيطري»، وكان الأفضل أن يكون هناك ترتيب للأبواب قائما على التفرقة بين الإنسان والحيوان في مجال الطب الشعبي، لكن الباحث رأى خلاف ذلك، فجاء ترتيب الفصول على النحو الذي ذكرناه آنفا ًً. بقي أن نشير هنا أن جمع التراث الخاص بالطب الشعبي في الإمارات من طرف الأنقر في هذا الكتاب، كشف عن ذلك القبول الإماراتي والاعتراف، من خلال إشراك العرب والأجانب في تسجيل التراث والتاريخ المحليّّيْْن وتقديرهم الإسهام ّ كان، ودفْْع الباحثين للتخلي عن عقليّّة العبور �ٍّ المعرفي لأي

الهوامش والمراجع: م).. باحث وكاتب، وهوحسب شهادة 2007 ـ 1937 - «إبراهيم بن سليمان الأنقر» ( 1 ابن أخيه فؤاد الأنقر، حامل لشهادة ليسانس في التاريخ من جامعة الإسكندرية، م، وعمل في التدريس، ثم انتقل إلى العمل 1968 قدم إلى أبوظبي من فلسطين عام م، وقدم العديد من الدراسات الميدانية، إلى أن 1980 في لجنة التراث والتاريخ عام أصبح باحثا رئيسيا أول في التراث، ثم مدي ار لمكتب «التراث بالعين». من مؤلفاته «النخيل في الإمارات العربية المتحدة»، و«الطب الشعبي». - إبراهيم بن سليمان الأنقر، الطب الش ّّعبي، تحقيق وإضافة محمد بن أحمد 2 م. 1990 بن الشيخ حسن الخزرجي، الطبعة الثانية، لجنة التراث والتاريخ، أبوظبي، - لمزيد من التفصيل، راجع: 3 - خالد عمر بن ققه، ذخائر إماراتية.. خمسون كتابا في خمسين عاماًً، دائرة م. 2022 الثقافة والسياحة، مركز أبوظبي للغة العربية، ــ بو عزيز سمحون، الثقافة الشعبية وإشكالية التعريف، مجلة الموسيقى 4 م. على الرابط: 2016 مايو 31 العربية، https://www.arabmusicmagazine.org/item/819-2020-10-13-14-06-07 - «بو عزيز سمحون».. باحث في العلوم الثقافية اختصاص موسيقى وعلوم 5 موسيقية في جامعة تونس. 1919 - «الشيخ العلامة محمد بن الشيخ أحمد بن الشيخ حسن الخزرجي» ( 6 م)، وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف الأسبق في الإمارات.. بدأ 2006 - حياته قاضيا في القضاء الشرعي ثم مستشاارًً، كما ترأس لجنة التراث والتاريخ م. 1980 وله مؤلفات كثيرة، منها: «خطب منبرية» (مجلدان)، نشر عام بتصرف. 8 - إبراهيم بن سليمان الأنقر، الطب الش ّّعبي، مرجع سابق، ص 7 2 - خالد عمر بن ققه، رحلة البحث عن «إبراهيم الأنقر»، جريدة «الرؤية»، 8 م، وقد ن ُُش ِِر على موقع «جنوب العرب» في التاريخ نفسه أيضا ًً». 2021 أغسطس https://gnoubalarab.com/news/25355 : على الرابط

الحجامة

كاتب وصحفي - الجزائر

89

88

2025 سبتمبر 310 / العدد

قراءة في كتاب «إبراهيم بن سليمان الأنقر» «الط ّّب الشعبي».. مرجع تراثي من «ذخائر الإمارات»

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online