الوعل العربي: من أسطورة التراث إلى رمزية المعنى
طباع مميزة والوعل، الذي ينصل قرنه كل عام، ويُُقال بأنه عند إحساسه بالشيخوخة، يُُلقي بنفسه من أعالي الجبال مختاار الموت، ورد ذكره في الموسوعة الأدبية الكبرى «نهاية الأرب في فنون الأدب»، فتحد ّّث النويري عن طباعه بالقول: «إنه يأوي الأماكن الوعرة والخشنة من الجبال، وهو إذا ج ُُرح عمد إلى الخضرة التي تكون على الحجارة، فيمضغها ويجعلها على الجرح فيبرأ؛ وإذا أحس بقنّّاص وهو في مكانه المرتفع استلقى على ظهره، ثم يزُُج بنفسه فينحدر من أعلى الجبل إلى أسفله، وقََرناه يقيانه ألم الحجارة، ويُُسرعان هبوطه لملاستهما فإنهما من رأسه إلى ع ََج ُُزه ؛ وفي طبع هذا الحيوان الحنو على ولده والبر بوالديه؛ أما حنّّوه على ولده فإنه إذا صيد منها شيء تبعته أمه واختارت أن تكون معه في الشرك؛ وأما بره بوالديه، فإنهما إذا عجزا عن الكسب لأنفسهما أتاهما بما يأكلانه، وواساهما من كسبه، فإن عجزا عن الأكل مضغ لهما وأطعمهما؛ ويقال: إن في قرنيه ثََقْْبين يتنفس منهما، فمتى س ُُد ّّا جميعا هلك». تعددت أسماء الوعل في العربية؛ فذََكََرُُه يُُسمّّى «الأدفى»، وأنثاه «الأروى»، وصغيره «الغُُفْْر»، كما يُُعرف بـ«الأعصم» أيضا لأنه يعتصم بالجبال، كما جاء في الشعر العربي القديم. وليس ثمة تمييز واضح في اللغة بين مفردات وعل وبََدََن وأيل في المصادر التاريخية. و«الوََع ْْل ُُ» في كتاب المعاني هو تََيْْس الجبل، وهو جنس من المع ْْز الجبلية، له قرنان قويّّان
.. الوعل رمز الشموخ وسليل الأسطورة
خالد صالح ملكاوي يكن الوعل في الوجدان العربي مجرد كائن جبلي يعيش لم في القمم الوعرة، بل مثََّل رماز ثقافيا وهوية متجذّّرة في الوعي العربي، تجاوز حضوره البُُعد البيئي إلى أفق رمزي عميق. فهو في التراث كائن نادر الظهور، عصي على الترويض، وذو حضور مُُهاب، تجس ّّدت فيه قيم الشموخ والكرامة والصمود في وجه الطبيعة القاسية، فغدا صورة مجازية للحرية والانفراد والنقاء. تس ّلّل الوعل إلى القصيدة والأسطورة والزخرفة، والهوية الثقافية للمجتمع العربي، حاملا في ملامحه النبيلة وهيئته الرشيقة دلالات الفخر والاعتزاز، إذ است ُُخدم في الشعرالعربي كناية عن الفرسان الشجعان، ورماز للأنفة والرفعة.عرفه الإنسان منذ أزمنة بعيدة، واختار الوعل موائل صعبة في الجبال الصخرية الحادة والمنحدرات الخطيرة، حيث يُُعد الوعل النوبي - وهو الأكثر شيوعا في جنوب الجزيرة العربية - من بين أندر
الكائنات وأكثرها تكيفا مع التضاريس الوعرة، منتش ار على قمم سلاسل الجبال الصحراوية في شبه الجزيرة العربية، وفي جبال سيناء، وكارورا في السودان، والسفوح الشرقية والغربية لجبال البحر الميت. وقد جعله هذا التكيّّف الشديد من أعتى الفرائس صيدا ًً؛ فهويمتازبلون ي ُُماثل لون صخوره، وبحذر بالغ لا يغادره حتى في لحظات الرعي، إذ يتناوب أفراد القطيع أدوارالحراسة، وي ُُطل ِِق الرقيب صافرة إنذارإذا شعربخطر، ويضرب الأرض بحافره لينب ّّه الآخرين
منحنيان كسََيفََين أحْْدبين. وأُُطلق اسمه على المواضع العالية، واستُُوعل الوعل إذا لجأ إلى قمم الجبال. ويشبّّهه الحديث النبوي الشريف بأشراف الناس الذين لا يُُرََون إلا في أعالي المقامات، كما ورد في حديث للحاكم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفس محمد بيده، لا تقوم الساعة حتى... وذكر منها: «ويهلك الوعول، ويظهر التحوت، فقالوا: يا رسول الله، وما الوعول وما التحوت؟ قال: الوعول وجوه الناس وأشرافهم، والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يعلم بهم». أسطورة الوعل وقدسيته ثمة علاقة قديمة بين الوعل والجبل، وأسبغ هذا الارتباط العريق على الوعل ب ُُعدا أسطوريا ًً، فقد اعتبر الإنسان القديم الجبال مواطن الآلهة ومصدر البركة والمطر، وبما أن الوعل يسكنها، نُُظر إليه بتقديس، إذ أصبح صلة وصل بين الأرض والسماء. ومن هنا اكتسب الوعل هالة روحية، لا سيما في معتقدات الهند وبلاد فارس وبلاد الرافدين، حيث ارتبط بالإله القمر، وأصبح تجسيدا له، خاصة في جنوب الجزيرة العربية، ِم قربانا لها. وعند العرب، تجس ّّدت تلك �ِّ حيث ن ُُذ ِِر للآلهة، وق ُُد الأفكار العقدية في معجمهم وفي شعرهم وفي طقوسهم التي ما زال بعضها حاض ار في الموروث الثقافي حتى اليوم؛ فيُُفََس ََّر شكل قرونه الملتفّّة على هيئة الهلال كعلامة رمزية لصلته
قرون الوعل النوبي
9 2025 سبتمبر 310 / العدد
الوعل رمز الشموخ وسليل الأسطورة 8
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online